أطفـال سـوريا أزمتـها المقـبلـة: مـن يمحـو مـا يحفـره العـنـف؟

 

 

طفل سوري يتلقى العلاج بعد إصابته خلال قصف جوي في حلب أمس (أ ف ب)

طارق العبد ـ السفير

في مدخل أحد الأبنية في دمشق يقف أطفال يلعبون بمسدسات وبنادق وقنابل بلاستيكية طبعاً. يوقفون أيَّ داخل أو خارج إلى المبنى ليمنعوه من الخروج ما لم يصرّح عن بطاقته الشخصية وقد يتدخل أكبرهم سناً للسماح للموقوف بالمغادرة مع عبارة «هذا معنا». وفي مدرسة تضم نازحين من ريف دمشق يصاب الصغار برعب من أي صوت قد يخرق السكون حتى لو لم يكن له صلة بالعمليات العسكرية.

وهناك أيضاً من يصرّ أن تكون هديته في العيد عبارة عن دبابة؛ ولن يتردد ابن السنوات الثماني في القول: «لقد كان لدى والدي بندقية لكنه استشهد، فما نفعها؟». الحال ذاته يتكرر في حلب وحمص ودير الزور وريف دمشق، حيث لم تعد المدرسة هي بيتهم الثاني بعدما تمّ مسح بيتهم الأول من خريطة البلدة.

تختلط أحاديثهم الصريحة عن الحرب والقصف والنزوح بطابع الخوف من كل شيء، فيما أصبح الجانب النفسي لديهم شبه منهار مع حالات اضطراب تتصاعد تدريجياً بسبب جنون العنف الذي ينشأون في حضرته وفي بعض الأحيان يقحمهم الأهل فيه لأسباب عديدة تبدو من وجهة نظرهم صحيحة. كل هذا يفتح الباب على أزمة جديدة تنضم إلى سلسلة الأزمات التي تثقل كاهل البلاد على أن نتيجتها قد لا نراها إلا بعد عقود. فهذا هو جيل سوريا المقبل،

وعلى الرغم من أن حضور الأطفال في مثل هذه الأزمات يبدو أمراً متوقعاً، إلا أنه وصل في سوريا إلى حدود فاقت المألوف، ولترجح الكفة إلى أحد الطرفين بين فترة وأخرى. هكذا سيخرج الأطفال في مقدمة بعض التظاهرات، ويخرج آخرون محمولين على أكتاف أهاليهم، فيما حمل غيرهم لافتات تبدو أكبر من حجمهم وسنهم بكثير في محاولة لاستحرار العواطف أكثر.

ولا مانع من أن يحمل الصغار أسلحة الكبار وتلتقط لهم عشرات الصور التي تزخر بها مواقع التواصل الاجتماعي في محاولة سخيفة لطلب الدعم لـ«الجيش الحر»، وتصوير الأطفال على أنهم يحملون السلاح لأن الكبار تخاذلوا. ناهيك بتحول حديثهم بالكامل إلى لغة السياسة وترديد مفردات يكررها الأهل، ربما عن قصد في بعض الأحيان. ولتصل في بعض الأوقات إلى لغة التخوين التي تعلّموها بسرعة تجاه من يختلف مع أسرتهم بالرأي.

على أن الأكثر خطورة هو بالتأكيد استخدامهم في مواقع الاشتباكات مع الجيش النظامي، وهو ما أشارت إليه ممثلة الأمم المتحدة الخاصة بشأن الأطفال والصراعات المسلحة راديكا كوماراسوامي في تقريرها في حزيران الماضي، حيث قالت: «لقد وصلتنا معلومات عن قيام الجيش السوري الحر باستخدام أطفال في الخدمات الطبية وبعض المهام الأخرى غير القتالية، ولكن هذه المهام تقع في نطاق جبهات القتال». ويشير التقرير بإصبع الاتهام في الوقت نفسه للنظام لاستخدامه الأطفال دروعاً بشرية، وتعريضهم للقتل والاعتقال والتعذيب والاعتداء الجنسي.

وبالحديث عن الطفولة، ولكن من الجانب الآخر للصراع، ستبدو الصورة مشابهة نوعاً ما ولكن بتبدل لغة الخطاب. فيتحدث الكثير من الأطفال بلغة إعلام النظام الرسمي، ولن يكون من المستغرب سماع مفردات مثل: التحريض، العصابات الإرهابية المسلحة، قنوات الفتنة، الإصلاحات. فيما دخل أطفال آخرون دوامة من القلق وعدم القدرة على النوم وتراجع تحصيلهم الدراسي إثر التفجيرات التي ترافق ليل الدمشقيين يومياً، حيث تتردد عبارة: هؤلاء سيضربوننا الآن.

وعند السؤال عن هوية من سيضرب، يجيب الأطفال: الإرهابيون. لتبدو المحصلة جيلاً يملؤه الخوف والعصبية. وهنا تشير ليلى (25 سنة – ناشطة) والتي تعمل في المجال الإغاثي، إلى مسؤولية كبيرة يتحملها الأهالي في إصرارهم على دمج أطفالهم بعالم القتل والحرب. فتعتبر أن كثيراً منهم يصرّ حتى في مراكز النزوح على الحديث عن العمليات العسكرية والانتقام أمام الصغار، ومتابعة نشرات الأخبار أو مقاطع الفيديو الغارقة في الدموية وصور القتلى، من دون أي انتباه لوجودهم في المكان نفسه.

بالنسبة لمن هم أفضل حالاً من النازحين والبعض الآخر، يتقصّد بالفعل مشاهدة الأطفال لمثل هذه الحالات القاسية، وكأن ما جرى معهم مسبقاً لا يكفيهم. ويتذرعون بضرورة أن يعرف الطفل حقيقة ما يجري وينشأ على القسوة والشدة فيصبح رجلاً صلباً، بحسب قولهم. فيما يعتبر نائل (25 سنة – ناشط) وهو شاب في حلب يعمل في مجال التحليل النفسي أن حالات من العصاب القهري (حالة نفسية تتمثل في أفكار أو تأملات أو خوف أو أفعال لشيء لا يستطيع المريض مقاومته، مهما فعل، وتكرارها يؤدي إلى نوع من الإحباط).

والميول للعنف ظهرت فعلاً بين الأطفال في المدارس، يقول نائل، مشيراً وفي معرض حديثه عن مدى القدرة على تخفيف هذه الاضطرابات، إلى أنه وبشكل عام فإن عكس أو تراجع هذه الاضطرابات النفسية بحاجة لعمل ضخم، يمتد بالأشهر وغالباً بالسنوات. فالتراكم أمر مستمر وسهل والأهم من ذلك حدوث كبت للعامل الأساسي. أي أنه في النهاية تحدث لدى الطفل تصرفات عصابية لا علاقة مباشرة لها بالسبب الأول، بل إن هذا السبب الأولي نفسه يختفي ضمن اللاوعي، وتبقى فقط نتائجه وآثاره التي لن تختفي إلا بالبحث عن هذا العامل واكتشاف الرابط لحله.

وهي عملية صعبة لأنّ المريض نفسه يقاوم هذا الربط، وينكر أيّ علاقة لتصرفاته بسبب الكبت. ويشير من جهة أخرى إلى أن نقص الموارد يؤدي إلى انتشار مزاج العنف في الملاجئ، والاقتتال عليها بين اللاجئين كما أن كثيراً من هؤلاء اللاجئين يقومون بالسطو على وجبات أو مخصصات أطفالهم مما يؤدي إلى تنامي عقدة أوديب تجاه الأهل (حالة نفسية تعني تعلق الطفل بأحد الوالدين وكره الآخر).

ومن ثم سيتحوّل الأهل إلى رمز لأي شخص كبير، وتظهر العدوانية بشكل واضح. ويؤكد نائل أن لا حل حالياً سوى التسريع بالتغيير ومن ثم التفكير في طرق لحل هذه المشاكل بشكل أوسع.

وحالياً يقوم عشرات الناشطين في حلب بنشاطات ترفيهية وسينمائية ورياضية مع الأطفال، في محاولة لإخراج طاقاتهم وإشغالها بما من شأنه أن يخفف هذا التراكم، لكنه يبقى في النهاية حلاً جزئياً بالإضافة إلى انه مؤقت، فهو يؤخر التفاقم ويؤجل المشكلات فقط من دون حلها، خصوصاً أن العديد من العقد النفسية مصدرها عقد طفولية، ولو كان المريض في العقد الرابع أو الخامس من العمر، كما يقول نائل.

التصنيفات : الأخبـــــار

الكاتب:syr2015

صوت المعارضة السورية الصادق

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

%d مدونون معجبون بهذه: