كلمة في الثورة…خالد كنفاني

 

 

 

ما بين التدويل والتقسيم والتدمير والحروب الباردة والساخنة، يضيع وطن وشعبه بين ثنايا التاريخ الذي لا يزال يصر أن يطول ويطول أمد هذا المخاض السوري الصعب وكأن الوليد الجديد بلا أب وكأن الجميع يتهربون من الاعتراف به أو حتى الاقتراب منه خشية تلويث سمعتهم أو إيذاء سلامهم الداخلي.

تحولت سوريا وشعبها بالضبط إلى كرة يتقاذفها اللاعبون بكل ما أوتوا من قوة، وهم بذلك لا ينظرون إلى الكرة في ذاتها وإنما إلى الأهداف التي يعملون ويلعبون جاهدين لتسجيلها، فالكرة وسيلة لا غير، فلا الحكام ولا اللاعبون يعيرونها أدنى اهتمام، وإذا ما تضررت الكرة لسبب ما فلا أكثر من استبدالها بأخرى لتستمر المباراة ويستمر البحث عن أهداف جديدة.

أقول هذا وقلبي يعتصر ألماً أن تتحول سوريا إلى هذا السيناريو السيء والمسيء لنا جميعاً في آن معاً. ولكن الواقع يقول أن المسألة السورية نالت بالفعل موقعاً خاصاً بها في أي اجتماع دولي، كما أن الاجتماعات والمؤتمرات التي تعقد هنا وهناك تحت اسم سوريا أصبحت أكثر من أن تحصى، ولكن اللافت دوماً أنه لا وجود لسوريا نفسها في كل هذه الاجتماعات. وكأن هذا البلد قد أصبح ذلك اللقيط الذي يبحثون له عن أب فإن لم يوجد فدار للأيتام تقيه شر البرد والفقر والانحراف. حتى اجتماعات أصدقاء سوريا تتم فيها دعوة بعض الناشطين أو الكتاب السوريين من أجل إكمال ديكور القاعة وملء بعض الكراسي الشاغرة. أما أن نقول أن هناك من يتبنى بالفعل قضية هذا الشعب فهو قول غير صحيح ولو تعالت التصريحات النارية والرنانة، ويا ليتنا نجد من يتبنى سوريا اليوم بعد أن تقاذفها الجميع.

يزداد يوماً بعد يوم الكلام عن تقسيم سوريا إلى كانتونات أو كيانات وتتعدد التحليلات لتبدأ بالتقسيم من أربعة كانتونات لتصل إلى سبعة وحتى عشرة في بعض الأحيان. وأخذاً بالمبدأ الإعلامي المعروف: “واصل الكذبة حتى يصدقها أحد، فإن فعل فإنها تتحول إلى حقيقة”، فقد لا يكون هذا السيناريو مستبعداً ولا غريباً، ويتم الدفع باتجاهه لا من جهة النظام وحسب وإنما من جهة كل اللاعبين الدوليين والعرب وبقوة أيضاُ، وهو ما يتضح من التصريحات والأفعال المتناقضة والمتضاربة على كل الأصعدة.

فبينما تتحدث روسيا والفاتيكان عن خشيتهما على الأقليات (وخاصة المسيحيين) في سوريا، تتصاعد على الطرف المقابل في دول الخليج الصيحات والدعوات لنصرة “أهل السنّة” الذين يقمعهم “العلويون الكفار”، ويتم بناء على ذلك دعم الجيش الحر الذي تتكون الأغلبية الساحقة (إن لم يكن كله) فيه من مجموعات تدل عليها أسماؤها. وفي حين يصيح أردوغان منذ بداية الثورة السورية بضرورة حماية السوريين وحماية حقهم في الحرية، فإنه يخشى وبشكل واضح قيام كيان كردي في شمال سوريا يكون داعماً للكيان الكردي في شمال العراق وهكذا تتحول الحدود الجنوبية لتركيا إلى حدود تركية كردية قد تقضم معها في مستقبل الأيام التجمعات الكردية في جنوب تركيا. ولم تخفِ تركيا قلقها عند إعلان استيلاء “مجلس شورى المجاهدين” على معبر باب الهوى الحدودي بين سوريا وتركيا، فالكل يعلم أن دعم المعارضة المسلحة في أي بلد هو سلاح ذو حدين وأن من يقوم بذلك اليوم سيتعرض لذات الموقف غداً والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى.

وبينما يخرج السعوديون بتنظيرات حول الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات العامة ليبيعوها في السوق الدولية عند الكلام عن سوريا، فإن الجميع وعلى رأسهم هيلاري كلينتون يعلمون تماماً حقيقة الحكم في السعودية ووضعية الحريات العامة في مملكة الصمت. على أن الحظ السيء لسوريا هو أنها لا تملك بترولاً ولا غازاً وإلا كنا رأينا جحافل الناتو والمارينز الأمريكي وحتى القوات الأفريقية معسكرة في سوريا منذ اليوم الأول، وبينما تضخ السعودية البترول إلى العالم فليس مهماً فيما إذا كانت المرأة تقود سيارة وليس مهماً أن المرأة لا يعترف بوجودها أحد بدون “محرم”، فالسيدة كلينتون يهمها خط النفط الذي لا ينضب، فإن نضب أو تعرض لمشكلة فالحديث حينها يختلف. (نحيل هنا إلى تجربة المرحوم الملك فيصل بن عبد العزيز عام 1973 وكيف تم التخلص منه على يد ابن عمه وذلك حين قرر وقف ضخ البترول).

لا يوجد في سوريا شيء يسيل له لعاب القوى الكبرى، لا ثروات معدنية حقيقية ولا حتى متوقعة، ولهذا لم يهتم أحد في الماضي بما فعله النظام السوري على مدى عقود ولا يهتم أحد اليوم بما يقوم به الشعب السوري من ثورة مليئة بالتضحيات والدموع والآلام. لا ترى دول العالم سوى خوفها على مصلحة إسرائيل بينما لا ترى الدول العربية سوى خوفها من إيران. أما ما تبقى من شعارات “دعم الشعب السوري” و”دعم الحرية والديمقراطية” فهي للزينة فقط ولتغطية الأهداف الحقيقية.

ليس الأمر هنا دعماً لتصريحات النظام أو مؤيديه، ولكننا يحق لنا أن نشك اليوم في نوايا القوى الكبرى بعد كل هذا الدم المسفوك والموت المتنقل في سوريا بدون أي حسم أو حتى ملامح حسم. وبينما يتم الصراخ والحماس والدفع باتجاه “معارك الحسم” من قبل القنوات السعودية وغيرها يقوم النظام أيضاً بالدفع نحو “الحسم الأخير” وهكذا يقتل السوريون بعضهم ولكن بدعم من اللاعبين الدوليين على كلا الطرفين. ويتم ترك السوريين لقدرهم المجهول تحت الشعارات ذاتها ودون أي دعم حقيقي ينهي هذا الفصل الدموي من تاريخ سوريا. تتنقل الفصائل المسلحة المختلفة سواء كانت من الجيش الحر أو غيره بين الأحياء السكنية والقرى الصغيرة ويتم الترويج لمعارك وخطط حربية لا نراها تودي في النهاية إلا إلى تدمير تلك الأحياء والقرى على رؤوس ساكنيها وتهجير أهلها بينما يقوم الجيش الحر بانسحاب تكتيكي وراء آخر وكأن المقصود هو تدمير كل شبر من الأرض السورية. لا نشك لحظة واحدة في حماسة من يقفون على الأرض في وجه آلة عسكرية همجية لا تبقي ولا تذر، ولكن يجب أن يكون الجميع قد فهموا الدرس جيداً وأن يكونوا قد أصبحوا على دراية أحسن بعدوهم حتى لا يسقطوا في نفس الخطأ وفي نفس البلاء.

عندما تحدثنا في مقالات سابقة عن الضباط المنشقين وعن مدى إفادتهم للثورة قامت في وجهنا الكثير من الأقلام المستعدة للتخوين والتشبيح بنفس أسلوب أعوان النظام، حتى يتأكد الجميع أن التشبيح هو ثقافة جيل كامل وليس مقصوراً على فئة دون أخرى. نقول أن الكلام عن الضباط المنشقين ينسحب اليوم على الأرض حتى نستطيع تفسير ما يحدث بواقعية وبعيداً عن العواطف والحماسة السعودية والحضن التركي. منذ أكثر من ثلاثين عاماً لم يدخل الجيش السوري أية معركة حقيقية، وهكذا فإن أي عميد اليوم كان طالباً في الكلية الحربية قبل ثلاثين عاماً هو حتماً ليس على أية دراية بالحروب واستراتيجياتها وأساليبها، فما بالنا بحروب العصابات التي تتطلب فهماً كافياً للعدو ومراوغة وتكتيكاً (حقيقياً)؟ يكفي أن نرى كيف يتعامل الفلسطينيون مع هكذا حروب في وجه إسرائيل، والسبب أن كل قادتهم موجودون على الأرض كما أنهم خبروا هذا النوع من الصراع على مدى سنين طويلة، أما ضباط الجيش السوري الذي قضوا جلّ أيامهم يوقعون الإجازات الأسبوعية ويلهثون وراء قسيمة بنزين أو مهمة خارجية أو إجازة طويلة للعمل كسائقي تاكسي فإنهم يهربون اليوم إلى تركيا وغيرها لأنهم يعلمون أن “فاقد الشيء لا يعطيه” وهم أعجز من أن يقودوا عشرين شخصاً في معركة حقيقية. ولم يكن ظهور بعض هؤلاء الضباط في شوارع حلب أثناء الحشد العسكري إلا من قبيل الترويج الإعلامي بذات الطريقة التي يقوم بها ضباط الجيش النظامي لرفع معنويات الجنود دون أي فعل حقيقي على الأرض.

سئمنا تكرار مقولة نابليون: “إن القائد الحقيقي هو من يصيح بجنوده اتبعوني، لا من يصيح بهم تقدموا”، ففرار الضباط بهذا الشكل الكبير إلى دول مجاورة لم يعد له من فائدة سوى الحشد الإعلامي لكسر معنويات الطرف الآخر، أما على الأرض فإن الجنود والمتطوعين يتركون ليتخذوا ما يناسب واقعهم دون أي تخطيط حقيقي أو بعد استراتيجي. إن الجيش الحر يتعرض لخطر فقدان شرعيته وسمعته وشعبيته إذا استمر الأمر على هذا النحو: تجمعات في الأحياء السكنية ثم انسحاب تكتيكي بعد دمار الأحياء وتهجير أهلها. ادعى من بدؤوا فكرة جيش الحر أنهم ما قاموا ولا انشقوا إلا لحماية المظاهرات السلمية، ولكنهم ينتقلون اليوم إلى مرحلة أعلى لم يقوموا بالتحضير الجيد لها وشيئاً فشيئاً سيتحول وجودهم إلى عبء جديد على هذه الثورة المثقلة بالهموم والمتاعب، وقد يضطرون حينها إلى فرض شرعيتهم بالسلاح الذي يحملونه وهو ما سيكون السيناريو الأسوء في حال حدوثه.

سوريا لم تكن بالأساس واحدة حتى يتم استهجان الكلام عن التقسيم اليوم، كل ما في الأمر أن الكلام عن الطائفية والتعددية كان محرماً فيما مضى تحت تسميات “إثارة النعرات الطائفية” و”نشر أفكار توهن نفسية الأمة” وهي التهم الجاهزة لدى محكمة أمن الدولة سيئة الذكر. وحتى نرسم المستقبل السوري الذي نحلم به علينا أن نفهم الواقع جيداً ونحلله بشكل صحيح. إن علم الاجتماع هو علم مظلوم في بلادنا ولا يعيره أحد أي اهتمام سواء من مثقفي المعارضة أو غيرهم. ولا يوجد اليوم في سوريا من يرسم لها أي ملامح مستقبل أو مشروع وطني حقيقي وليس شعارات براقة للاستهلاك في المنظمات الدولية.

المستقبل السوري يتحول إلى المزيد من الغموض والتعقيد يوماً بعد يوم ولا من مغيث له أو منقذ، وهو يترك اليوم كما قلنا كالكرة التي يتقاذفها الجميع دون أن يعيروها أي اهتمام. المستقبل السوري هو مستقبل أبنائنا وأحفادنا والذين لا تختزن ذاكرتهم اليوم سوى الدم ولا ترى أعينهم سوى الجثث المحترقة ولا تسمع آذانهم سوى طلقات الرصاص وانفجارات الصواريخ. هذا المستقبل يتشارك فيه الجميع إلا السوريون أنفسهم وإذا لم يتداعى لتلك المهمة رجال على مستوى تاريخي ووطني (ليس المجلس الوطني ولا الحكومات الانتقالية ولا المنشقون المنتفعون بالطبع) فإن الوطن سيهوي إلى مزيد من الضياع ولن يكون التقسيم أسوء ما سيحصل له.

آخر الكلام: يقول إيليا أبوم ماضي:

أنا ذلك الولد الذي دنياه كانت ههنا !

أنا من مياهك قطرة فاضت جداول من سنا

أنا من ترابك ذرّة ماجت مواكب من منى

أنا من طيورك بلبل غنّى بمجدك فاغتنى

التصنيفات : المقالات

الكاتب:syr2015

صوت المعارضة السورية الصادق

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

%d مدونون معجبون بهذه: