الشعب السوري بين حنظلة وجلجلة

بدأت انتفاضة الكرامة من درعا كحبات القمح الحوراني بسيطة الزرع غنية الفائدة عميقة المعاني.. كان أبناء المحافظة المنسية بكلماتهم البسيطة يزرعون تاريخا جديدا لسورية جميلة، يصيحون في وضح النهار لا إخوان ولا سلفية بدنا وحدة وطنية، سلمية سلمية، دولتنا مدنية، اللي بيقتل شعبه خائن، الموت ولا المذلة..


كان حنظلة يسير بين المتظاهرين السلميين كرمز للإنسان الصادق الأمين المناضل المقهور والمسحوق. بل كان في ضمير كل شهيد وجريح. ومنذ الأيام الأولى سعت كل قوى الردة والتخلف والظلام لأن تكسب ما يحدث لصالحها. وساعدها في ذلك ما يمكن تسميته دون أية مبالغة “سماسرة المعارضة المأجورة”. والمعارضة المأجورة مصطلح قديم، يعرفه البيانوني والشقفة وطيفور وزخير سالم وكل الإخوان المسلمين الذين قادوا عملية التسليح الواسع للإسلاميين في صفوف ما سمي بالطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين والذين كشف البيانوني في شهادته للإخواني السابق أحمد منصور بصراحة على أن كل فصائل وتيارات الإخوان كانت تعلم بمشروع التسليح والقتال، وكلها أيدت الطليعة المقاتلة وشاركت في تنظيم عملياتها، خاصة بعد اتفاقية كامب دافيد وضرورة إضعاف الذين وقفوا ضدها في ذلك الوقت. فقد وافق هؤلاء على أكبر عملية تمويل وتسليح للمعارضة منذ استقلال سورية، بتأييد من صدام حسين والملك حسين ودول الخليج. وقد نجم المواجهات أكثر من ثمانين ألف قتيل من كل الأطراف والفئات أغلبيتهم الساحقة لا علاقة لها بالصراع بين السلطة والأخوان.


يومها وقفنا ضد الدكتاتورية البعثية والدكتاتورية الإخوانية ودافعنا عن المشروع الوطني الديمقراطي الذي يحترم عقل السوريين وتنوعهم وحقهم في الاختلاف. في حين جنح بعض الشعبويين للدفاع عن ما يحدث باعتباره حركة شعبية ضد الدكتاتورية. ودخلنا السجن على اختلاف مذاهبنا السياسية ومواقفنا الإيديولوجية، وغالبا ما كنا نتصارع على ما أوصلنا إليه الخيار المسلح للإخوان المسلمين، ولكننا في نهاية اليوم، كانت الدكتاتورية تعيث فسادا في البلاد وقمعا للعباد بحيث صرنا نحاول جهدنا أن نخرج بدروس مفيدة تسمح لنا بالتفكير في الخروج من الدكتاتورية بعد أن غلبتنا بالعسكرة والأمن رغم هزيمتها المعنوية والأخلاقية.


من أجل ذلك، ناضلنا لثورة سلمية، لمعرفتنا بطبيعة النظام الأمنية والعسكرية، ومعرفتنا بأن هذه الطبيعة تعطيه موقعا سابقا لنا بكثير في مجال التسلح، ولمعرفتنا أيضا بأن أكثر الناس قدرة على التسلح ضده هم أكثر الناس تطرفا وجنونا وقدرة على الهدم والتدمير على كل الأصعدة.


قولوا لنا بربكم أين الإعلانات المدفوعة الثمن التي بثتها قناة العربية لسنوات حول الإرهاب والإرهابيين، أين مسلسل صناعة الإرهاب مما يحدث في سورية؟ أين حملات الملاحقة التي نالت 18 ألف سلفي في مملكة التخلف الديني والعقلي المسماة بالسعودية يوم كانت التفجيرات تنال الرياض؟ أين ذهبت مقالات عبد الرحمن الراشد المطالبة بقتل كل من يشك بأنه من القاعدة قبل أن يقتل أبرياء؟ كيف تحولت المملكة المستبدة من عدو للسلفيين الجهاديين إلى أكبر ممول وداعم لهم مع قطر الحمدين المنيرة والمتنورة والمستنيرة ؟

لقد اكتشف المحافظون الجدد في الولايات المتحدة الأمريكية أن السبيل الأنسب لبقاء الهيمنة الأمريكية على العالم أن تقوم أمريكا بنفسها ولوحدها بتعريف الشياطين وتعريف الملائكة، أن تحدد العدو وأن تخوض النزاع معه، وأن تفرض كل شروط اللعبة على باقي دول العالم. 
وكما هو معروف أطلقت إدارة بوش-شيني الحرب على الإرهاب لترد على أربعة تحديات تواجه الولايات المتحدة في القرن الجديد:

التحدي الأول مواجهة الحريات الديمقراطية التي سمحت بها الحرب الباردة وأعطت تفوقا ولو في الظاهر للغرب الديمقراطي على الشرق السوفييتي الشمولي فصدر 90 قانون لمناهضة الإرهاب في العالم أكثرها في الدول الموالية لأمريكا باسم مناهضة الإرهاب.


التحدي الثاني مواجهة القنابل البشرية بحيث صار من الضروري للغربيين الذين يشكلون أقل من خمس المجتمع البشري التحصن ضد البرابرة الوثنيين والمسلمين والكونفوشيين والبوذيين إلخ القادمين من العالم الثالث.. أي حماية الجنس الأبيض الغربي بتقييد حركة البشر وإطلاق حركة السلع.


التحدي الثالث مواجهة الإيديولوجيات الإسلامية بعد سقوط الإيديولوجيات الشيوعية. وذلك عبر سياستين الأولى هي سياسة امتصاص الإسلام الإخواني وأمركنته. باعتبار الإسلام الإخواني يمكن أن يحقق استقرارا ضروريا في بلدان الطاقة لعقد أو أكثر من الزمن ضرورية لإطالة أمد الهيمنة الأمريكية قدر المستطاع. والثانية احتواء الإسلام الجهادي بتوجيهه نحو هراطقة الإسلام عوضا عن ظُلّام المسلمين. وبذلك تحول الجهاديون بشكل كامل من المعركة مع الصليبية واليهودية إلى المعركة مع الباطنية والصفوية والنصيرية ..

وكما كتبت يوم وفاة أسامة بن لادن (بلا شيخ بلا أكل هوا) أكرر اليوم، “مات من نصبته أمريكا وأمواله إماما للسلفية الجهادية وليس في ميزان حسناته “الجهادية” عند الله عملية واحدة للقاعدة ضد العدو الصهيوني”. على العكس من ذلك، تحرك السلفيون يشككون بحزب الله يوم عدوان اسرائيل على لبنان في 2006، وشكلوا جماعة تحارب حماس والجهاد الإسلامي في غزة في 2009، وقتلوا من الشيعة أكثر بأضعاف مما قتلوا من الأمريكان في العراق. ونجحوا في تدمير المناطق التي تواجدوا فيها من الرمادي إلى نهر البارد.


أما التحدي الرابع، فهو تحدي صعود عملاقي آسيا الصين وروسيا. الأمر الذي يحرم الدولار الأمريكي والحاكم الأمريكي من التفرد بحكم العالم.


لقد اتفقت أمريكا المصلحية مع بريطانيا الإنتهازية وفرنسا المنافقة وتركيا الحاقدة مع الوهابية السعودية القطرية على تحطيم سورية. لا ديمقراطية ولا مدنية بل ولا دولة إسلامية.. يجب تحطيم سورية لإنقاذ دويلات الخليج الكرتونية. يجب تحطيم سورية كما جرى تحطيم العراق. وإلا كيف يمكن لشخص فاشل دراسيا حرامي اقتصاديا أجير للغرب سياسيا أن يصبح له صولة وجولة إلا بعد تجويع مصر وتكسير العراق وتحطيم سورية؟ أي الشعور بالتفوق على أبناء بلاد الشام للتحرر من شعور الدونية تجاههم. ولقد قدمت له الدكتاتورية الغبية والمجرمة ما سمح له بتحقيق حلمه.


قام الطائفيون “الجهاديون” من سورية وخارجها بعمليات نوعية أدت لاغتيال وقتل نخبة من الكوادر والعلماء في البلاد كالباحث في الهندسة النووية أوس عبد الكريم خليل والدكتور حسن عيد والأستاذ الجامعي محمد علي عقيل نائب عميد كلية الهندسة المعمارية، والعميد الركن نائل الدخيل الأستاذ في قسم الهندسة الكيميائية، وأخيرا الدكتور المهندس نبيل إبراهيم زغيب الذي يعتبر العقل الأول في البرنامج الصاروخي السوري، وقد سقط معه كل من زوجته وولديه.


وقامت جماعة الجلجلة السلفية الجهادية بهجوم على مقر عسكري مصري في رفح فقتلت من قتلت وجرحت من جرحت.. من أبناء الشعب المصري..


كيف يمكن إقناع إنسان غير معقد مثلي، بأن الفاعل في هذه الجرائم سيحرر القدس يوما؟؟ كيف يمكن الصمت عمن يصمت؟ كيف يمكن لجورج صبرا وبرهان غليون وسمير نشار بيعنا هذه العمليات النوعية وإنكار وجود أجانب مجرمين وسوريين مجرمين يحطمون بأفعالهم القذرة صورة الثورة وصورة سورية.. بل يحطمون سورية نفسها؟

على الثوار أن يقولوا بحق وصدق ماذا تفعل الجريمة في صفوفهم وأن يختاروا بوضوح بين جلجلة وحنظلة!

شبلي شمايل – الحوار المتمدن

التصنيفات : الأخبـــــار

One Comment في “الشعب السوري بين حنظلة وجلجلة”

  1. مواطن
    2012/08/14 في 09:35 #

    والله أفضل ما يقال وباختصار (ينصر دينك)

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

%d مدونون معجبون بهذه: