الإسلاميون و«الثورة السورية»: بين التطرف والتقيّة المدنية

مقاتلو «الجيش الحر» في حلب أمس (رويترز)

منذ الأيام الأولى لبدء الاحتجاجات الشعبية في سوريا، احتدم السجال بين القوى المدنية العلمانية ونظيرتها الإسلامية، لتتعمق الخلافات يوماً تلو الآخر وتبتعد في بعض الأحيان عن هدف الحراك الأساسي في الحرية.

ومع مرور أكثر من 500 يوم على انطلاقة الاحتجاجات، يبدو الخوف واضحاً من اتجاه الثورة نحو التشدد والتطرف، مع التحول في اتجاه العسكرة من جهة، والنظرة تجاه الأقليات من جهة أخرى. والأخطر هو صعود الاتجاه الأكثر تطرفاً إلى الواجهة مع تأييد شعبي كبير، وفتاوى وصلت مؤخراً إلى هدر دم ناشطة شابة عبّرت عن رأيها على صفحتها في موقع التواصل الاجتماعي «فايسبوك»، فيما يعتبر الإسلاميون أن الثورة ثورتهم وان أحداً لم يقدم لسوريا ما قدمه حملة راية الدين في الثورة.

 ولا يتردد الاسلاميون في الدفاع عن هدفهم بإعلان الدولة الإسلامية، ورفع رايات تشبه تلك التي ترفعها الجماعات السلفية، مع تراجع مقابل للعلم السوري القديم الذي رفعه المتظاهرون مسبقاً، معتبرين أن المتظاهرين خرجوا من الجوامع وان البيئة الدينية التي يحتفي بها المجتمع السوري هي الأرضية التي تسمح بصبغ الحراك السلمي أو المسلح بطابع ديني.

وبين سجال العلمانيين والإسلاميين وخشية كل منهما من وصول الآخر للحكم، تقف الأزمة على مفترق طرق مجهول الاتجاهات في ظل التوجه نحو السلاح واعتباره القول الفصل بالنسبة للكثيرين.

وبالعودة إلى الموضوع، يسيطر على العلمانيين تخوف كبير من أثر سلبي يلعبه الإسلاميون مع بروز دورهم في الحراك المدني. هكذا يجزم أحمد وهو ناشط في الحراك السلمي، بأن سيطرة القوى الدينية ستؤثر سلباً بكل تأكيد، «فمعظم من خطط لبدء الحراك كانوا من الليبراليين، فيما لم يكن للإسلاميين أي دور يذكر».

ويضيف الشاب الدمشقي أن الحراك كان ينشد التغيير السلمي منذ البداية، ولكن دخول بعض التيارات الإسلامية التي شجعت على التسليح، بالإضافة إلى مصادر التمويل الخارجية التي تقع بيد أصدقاء «الإخوان» والسلفيين، وتقويض الحراك السلمي، جعل الليبراليين وباقي أطياف السوري «في حيرة». فهم لم يجدوا حتى الآن رداً واحداً حيال الموقف الواجب اتخاذه الآن: هل هو مع الانسحاب أم مع الثورة المختلفة المجهولة؟

أما وائل الطالب الجامعي، فيرى أن «الجنون الذي يتبعه النظام في الحل الأمني أو العسكري دفع الشعب بشكل متوقع إلى اللجوء للقوى المتشددة التي يعتقد أنها ستوفر له دعماً أكبر، وهو ما لاقاه بعض التجمعات الثورية وخاصة التنسيقيات بمزيد من التشدد، بل اعتبر البعض أن الثورة حكر على طائفة محددة، هي التي قدمت من الشهداء والمعتقلين أكثر من غيرها».

ساعد في ذلك أن معظم الأصوات الداعية إلى العقلانية واعتبار الثورة «ثورة كل السوريين»، قد غابت عن الساحة الداخلية سواء بالقتل أو الاعتقال أو التخوين، ما سمح للآراء المتطرفة بأن تطفو إلى السطح مع ارتفاع منسوب الدم في المدن والقرى فسميت كتائب «الجيش الحر» بأسماء دينية وأخذت تظاهرات العديد من المناطق منحى أقرب للديني. بل ان بعض منظمي التظاهرات طلبوا عدة مرات من السيدات المشاركات عدم النزول أو الاحتشام، وهو ما يعني تحولاً اكبر لمصلحة القوى الإسلامية.

في المقابل، يرى نادر وهو ناشط مدني من درعا أن انتشار القوى الإسلامية وطغيان العامل الديني ليس بالعامل الذي يؤثر سلبا على الثورة «ولكن المتأسلمين إن صح التعبير هم الذين يؤثرون على الثورة. هم الذين لا يعرفون من الدين سوى القشور. والجماعات الإسلامية المتطرفة قليلة الانتشار في سوريا، ولكنّ لديها صيتا واسعا بسبب التضخيم الاعلامي الذي تتمتع به، بفضل ما يمكن تسميته بالمال الديني».

ويتابع نادر «في المقابل، فإن الهواجس من سيطرة القوى الإسلامية قد لا تكون بالشكل الذي نتوقعه، فمثلاً حين يهتف المتظاهرون: يا الله ما لنا غيرك يا الله، لا يتعلق الأمر بالهوية الدينية أو السلطة الدينية التي يرغب المتظاهرون بها بقدر ما هي لجوؤهم للرب في ثورة لا حامي لها ولا قوة تساندها. فمن البديهي حينها أن يتعلق المتظاهرون بالرب».

على أن رأياً آخرَ يبدد هذه المخاوف ويشير صاحبه إلى أن «المجتمع السوري مجتمع متدين بغالبه والثورة هي انعكاس للمجتمع حتى في خطابه وتظاهراته وما يهتف فيها. وبالتالي وجود قوى دينية هو عبارة عن تمثيل قسم كبير من المجتمع السوري، ولكن حتى لا تصبح الثورة دينية الطابع من الضروري وجود القوى الأخرى لتأكيد طابع الثورة الشاملة».

وفي الوقت نفسه فإن لهذه القوى مخاوفها من المجهول، فلا أحد يستطيع أن يتنبأ بحجم التيارات الدينية ولا سلوكها، وهي التي كانت محجوبة تماماً لفترة طويلة. ليبقى الخوف الأكبر من طغيان الولاء لهذه العقيدة على الولاء للوطن. وهو رأي يتقاطع نوعاً ما مع ما يشير إليه باسم وهو ناشط في الحراك المدني من دمشق يعتبر أن أكبر خطر للقوى الدينية في المرحلة الحالية «هو استغلال الموروث الديني عند الأغلبية المسلمة الثائرة من السوريين، لتحقيق أهداف سياسية مستقبلية. فهذه الأطراف عموما تقوم أثناء الأزمات بالتجييش الطائفي والعاطفي الممنهج ضد النظام السوري. وفي نظري، هذا الأسلوب يطابق أسلوب النظام الذي استخدمه للتجييش واستخدامه لتثبيت أركانه، وليضعها في الواجهة في الحرب التي يشنها حاليا على الشعب السوري».

ويتابع الشاب: «ولكن من جانب آخر أرى أن الكثير من الرموز والقيادات الدينية في الداخل فشلت وسقطت في تلبية المتوقع منها من قبل الشعب الثائر، الأمر الذي شكل إحباطا شديدا لدى الشارع دفعه لركوب موجة التسليح، المدعومة بجزء كبير منها من قوى إسلامية خارجية. فميزان قوى هذه التيارات في الشارع حاليا يتناسب طردا مع مقدار السلاح والذخيرة الذي تستطيع تأمينه. فالمشكلة حاليا لا تكمن فقط في هذه القوى الدينية، لأن هذه القوى هي عود ضمن حزمة أكبر من القوى التي تعمل للاستفادة من الثورة الشعبية في سوريا لتحقيق مآرب اقتصادية واستراتيجية كثيرة»، على أن محدثنا يستبعد في المقابل أن تأخذ الدولة صيغة دينية.

حيث إن النظام الديني بشكله الفج، يحتاج لقاعدة لها علاقة بتكوين الدولة وهيكلتها والحاضنة الشعبية لنظام كهذا، وكون النسيج السوري المجتمعي من شرقها لغربها لم يألف، بالرغم من موروثه الديني، حكما دينيا إسلاميا منذ الاحتلال العثماني، فلن يسمح الشعب أولا بوصول قوة دينية تفرض نظاما دينيا إقصائيا. «بينما التخوف يكمن في وصول تيارات إسلامية تدعي العلمانية والاعتدال وتروج لمدنية الدولة بينما تخفي أجندات حكم إسلامي. تيارات كهذه ستنال شعبية كبيرة عند جماهير الشعب السوري ذي الأغلبية الإسلامية المعتدلة».

في المستقبل، ستعمل هذه التيارات على امتطاء الدين ومحاولة أسلمة الدولة تدريجيا، وذلك عن طريق تعديل قوانين معينة وتغييرات مؤسساتية هدفها أدلجة منظومة الحكم في سوريا لتلائم مبادئها وقناعاتها مدعومة طبعا بالتأييد الشعبي.

طارق العبد ـ السفير

التصنيفات : الأخبـــــار

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

%d مدونون معجبون بهذه: