أعداء مستقبل سوريا يغتالون عقولها: اتهامات متبادلة… والمحصلة واحدة

أنت مواطن سوري إذاً أنت مستهدَف بالرصاص، ولا يهم مصدره فالنتيجة واحدة. لكن إن كنت شخصية علمية أو اقتصادية أو إعلامية، فأنت بالتحديد هدف لعمليات الاغتيال المجهولة المصدر. وقد يسبق عملية القتل اختطافك من قبل المسلحين، وعندها تغرق شبكات التواصل والمحيطون بك باتهامات متبادلة بين مناصري النظام والمعارضة ليحمل كل منهم الآخر المسؤولية عن الاختطاف أو القتل.
وبالطبع، ستطفو الحساسيات المناطقية والطائفية بسرعة مذهلة، وفي النهاية المحصلة واحدة: ستفقد سوريا شخصية من كوادرها العلمية أو الاجتماعية وسيضطر رفاق هذه الشخصية، لاتخاذ إجراءات احترازية بدءاً من تغيير عناوين الاتصال مروراً بالتخفي وتبديل السيارات، وربما الهجرة إلى مكان آخر يحتضن السوريين ريثما تنتهي قسوة الدم والحديد والنار اليومية.
مشهد يذكر ببلاد الرافدين إثر سقوط نظام صدام حسين، يوم غادر العراق مئات العلماء والمبدعين إلى بلاد أخرى أولها سوريا، بينما غادر كثيرون غيرهم لكن إلى السماء بعيداً عن بلاد شبعت من الموت. وها هو المشهد يتكرر في الشام مع سلسلة عمليات خطف واغتيال استهدفت العديد من الكوادر العلمية والاجتماعية، تبادل معها النظام والمعارضة الاتهامات بالمسؤولية من دون أن يتوقف شلال الموت إن لم يتزايد بشكل مستمر.
وبالعودة إلى ابرز الشخصيات المستهدفة منذ سنة ونصف السنة تقريبا، فإن معظم من تم اغتيالهم هم شخصيات علمية بالدرجة الأولى كالباحث في الهندسة النووية أوس عبد الكريم خليل والدكتور حسن عيد والأستاذ الجامعي محمد علي عقيل نائب عميد كلية الهندسة المعمارية، والعميد الركن نائل الدخيل الأستاذ في قسم الهندسة الكيميائية، وآخرهم الدكتور المهندس نبيل إبراهيم زغيب الذي يعتبر العقل الأول في البرنامج الصاروخي السوري، وقد سقط معه كل من زوجته وولديه.
وفي المقابل، استهدف الاغتيال سارية حسون نجل مفتي الجمهورية وكذلك اسماعيل حيدر نجل وزير شؤون المصالحة الوطنية والإعلامي محمد السعيد وسبقه لاعب كرة السلة باسل ريا، بينما نجحت المفاوضات بالإفراج عن رجل الأعمال سليم دعبول.
ولم تتوقف ساحة الاتهامات بين النظام والمعارضة حول مسؤولية احد الطرفين عن عمليات الاغتيال. فمن جهة، يعتبر فيه النظام أن المعارضة المسلحة هي من تقوم باستهداف أي شخصية تتعامل مع السلطة وخاصة في المجال العسكري أو أبناء الشخصيات المهمة في الدولة، وهو ما من شأنه دفع هؤلاء المسؤولين للانشقاق.
ويشير كثير من المقربين من هذه الشخصيات الى أن سيلاً من التهديدات قد تلقوها قبيل قتلهم وطال بعضها أفراد أسرهم، بينما لا تتردد بعض المجموعات المسلحة من المعارضة بالإعلان جهاراً عن مسؤوليتها عن القتل تماماً كما فعلت «جبهة النصرة» بتبنيها قتل الاعلامي في التلفزيون السوري محمد السعيد.
ويستشهد ناشطون موالون للسلطة بآراء معارضين اعتبروا أن كل من يعمل مع النظام هو هدف لرصاص المسلحين، بينما أعطي آخرون مهلاً للانشقاق وإلا فهم أهداف لـ«الجيش الحر»، كما تزخر بذلك بيانات عدة للمجموعات المسلحة.
أضف إلى ذلك، ربط ما يحصل خاصة مع الكوادر العلمية بما سبق وجرى في العراق يوم سقط عشرات العلماء ضحية الرصاص في سبيل عرقلة أي تطور للعمل التقني. على أن الأكثر خطورة من كل هذا هو الخشية من ربط هذه العمليات بدوافع طائفية، وخاصة أن معظم من تم اغتيالهم هم من الأقليات، وربما في ذلك رسالة تحذير للتوقف عن دعم النظام وهو ما يخشاه بعض الناشطين.
في المقابل، تشير المعارضة بأصابع الاتهام إلى النظام بالمسؤولية عن مقتل الكوادر العلمية والعسكرية، معتبرة أن من مصلحة الدولة التخلص ممن يعرفون أسرار البرامج العسكرية خشية أن تصل المعلومات التي بحوزتهم للغرب، أو لـ«الجيش الحر».
ويشير آخرون إلى أن بعض هذه الشخصيات قد قتلت في أماكن تعتبر شديدة الحراسة، كالباحث في الهندسة النووية أوس عبد الكريم الذي سقط على بعد أمتار من حاجز عسكري في حمص، أو كالمهندس نبيل إبراهيم زغيب الذي قتل في منطقة باب توما، التي لم يسبق لـ«الجيش الحر» أن انتشر بها، بل على العكس تماماً فهي إحدى أكثر المناطق أمناً في العاصمة.
ويشير ناشطون إلى أن بعض هذه الشخصيات كانت معارضة للنظام وبالتالي لا مصلحة لـ«الجيش الحر» بقتلها، ويضرب الناشطون مثالاُ بطالب كلية الطب البشري إسماعيل حيدر نجل وزير المصالحة علي حيدر، إذ ان الشاب ناشط ميداني في منطقته وكان معروفاً في المحيط بكونه مناهضاً للسلطة، وعضواً في عدد من «التنسيقيات».
ولعل استهدافه من قبل النظام هو رسالة ضغط على والده رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي.
لكن في مقابل كل هذا، تزخر شبكات التواصل الاجتماعي بالتأكيد على استهداف «الجيش الحر»، شخصيات يتهمها المعارضون بالمشاركة في قتل المتظاهرين أو الإبلاغ عنهم. وهو ما ينفيه آخرون. على أن اللافت هو تبني «الجيش الحر» اغتيال عشرات الضباط برتب عالية، واختطاف آخرين والتحقيق معهم ثم قتلهم. وقد تم توثيق ذلك بسلسلة من مقاطع الفيديو التي يعلنون فيها مسؤوليتهم عن هذه العمليات تحت راية أن هؤلاء الضباط مسؤولون عن قتل المتظاهرين والتعذيب في المعتقلات. ويعزز هذا فرضية النظام بأن المعارضة المسلحة قد تكون مسؤولة عن الاغتيالات.
وبين اتهامات النظام ورد المعارضة عليها، تبقى الصورة الحقيقية غائبة، يبينما المحصلة أن عشرات ممن سيساهمون في تقدم سوريا علمياً وتقنياً واجتماعياً سواء سقط النظام أو لم يسقط، لن يشاركوا بقية أبناء الشعب في إعادة بناء الدولة. ولعل زملاء لهم سيخشون أن يلقوا المصير نفسه قرروا المغادرة إلى بلاد أخرى قد تكون أكثر أمناً لتخسر سوريا مزيداً من الأسماء اللامعة، تنضم إلى أكثر من عشرين ألف قتيل سقطوا ضحايا لرصاص يصر على خنق الحياة.

طارق العبد

السفير

التصنيفات : المقالات

الكاتب:syr2015

صوت المعارضة السورية الصادق

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

%d مدونون معجبون بهذه: