المساعدات تموّل النزف لا الدواء… والنازحون ضحية الاستغلال والتمييز المغيثون السوريون: هدف مشترك لفريقي النزاع

لعل مفردات مثل قصف، إطلاق نار، مداهمة، اشتباكات وعمليات عسكرية، كان قد سمعها السوريون كثيراً عبر نشرات الأخبار، وما عايشه الأهالي من وافدين إلى الشام خلال السنوات الماضية أيام عدوان تموز 2006 أو في أيام العراق الدموية، دون أن يدركوا أنهم سيشهدون حالات مشابهة مع التحول التدريجي للثورة إلى العمل المسلح، وقرار السلطة التصدي للمعارضة المسلحة، عبر استخدام الجيش بدباباته وطيرانه ومختلف صنوف الأسلحة.
وفرض ذلك واقعاً جديداً وعملاً لا يقل خطورة عن أي عمل آخر في ميدان الحرب الداخلية في البلاد. فبين من قرر حمل السلاح ومن اختار تشكيل ميليشيات للدفاع عن النفس كما يصفها، اختار آخرون المضي قدماً في العمل الإغاثي ليبدو الأمر معركة أكثر صعوبة من مجمل المعارك التي تجري في سوريا.
ربما لأن ناشط الإغاثة مستهدف من طرفي النزاع معاً، واللذين اتفقا على استهداف العاملين به، وعرقلة عملهم بحجج كثيرة، تبدو لا معنى لها في ظل قرار هؤلاء الناشطين أو المنظمات القليلة التابعين لها، أن تنخرط في العمل الإنساني دون انحياز لهوية سياسية أو دينية أو عرقية. فكان نصيبهم التضييق والاعتقال وفي بعض الأحيان كان رصاص الطرفين يسلك طريقه إلى أجسادهم من دون أن يعيقهم هذا عن مواصلة إغاثة المنكوبين وتأمين شيء من الحياة اللائقة لأولئك الذين دفعهم جحيم المعارك إلى النزوح من مكان لآخر، حتى فاق عددهم مئات الآلاف.
في ميدان الحرب… لا مكان للإنسانية
تحت زخ الرصاص المتواصل في حمص وحماه وإدلب وريف دمشق ودير الزور، كان لا بد من ناشطين يعملون في إسعاف ونقل المصابين وتأمين ملاجئ، لأولئك الذين يقبعون تحت خط النار من كلا الطرفين.
لم تسمح السلطة لأي منظمة بالعمل على الأرض باستثناء الهلال الأحمر السوري الذي أعلن مرات عديدة تعليق عملياته في المناطق الساخنة، احتجاجاً على العنف المتواصل فسقط البعض من متطوعيه ضحايا لرصاص النظام، وفي أحيان أخرى برصاص «الجيش الحر»، الذي اعتبر أن سيارات الإسعاف التي يستخدمها ناشطو المنظمة غير الحكومية، يستخدمها أيضاً عناصر النظام لاقتحام بعض المناطق.
أو لأن شبيحة النظام كما يصفهم المعارضون يتنكرون بزي مسعفي المنظمة، وهو ما جعل استهدافهم أمراً مبرراً بالنسبة لـ«الجيش الحر».
هذا طبعاً إن أذنت كل من حواجز الجيش النظامي وعناصر «الجيش الحر» للمتطوعين بالعبور، فيما تعرّض آخرون للاعتقال لفترات طويلة من دون محاكمة. وإذا كان هذا هو حال المتطوعين في منظمات قائمة على الحياد والإنسانية، فإن باقي كوادر العمل الإغاثي ليست بأفضل حالاً. فقد عمد المسلحون إلى احتلال بعض المستشفيات وطرد من فيها من مرضى لتكون فقط لعلاج مقاتلي «الجيش الحر»، ولتستهدف مستشفيات أخرى بمن فيها من أطباء وممرضين من قبل قوات النظام من دون أدنى اعتبار للعمل الإغاثي.
وهو ما انسحب بدوره على أفراد ناشطين أصبحوا هدفاً للقتل أو الاعتقال لنقلهم أكياس الدم أو مواد طبية أو أي شيء من شأنه توفير الحد الأدنى من متطلبات العيش لأولئك القابعين في المناطق الساخنة. وعلى الرغم من كل ما جرى ويجري، لم يتوقف أولئك الناشطون عن العمل الميداني في تقديم المساعدات وإغاثة المنكوبين، بل إن اللافت هو تضافر جهود ناشطين مؤيدين ومعارضين معاً في هذه العمليات.
هكذا سيذهب ناشطون من أحياء موالية في حمص إلى أحياء معارضة وتقع تحت القصف، لتوفير معونات غذائية ومواد طبية، على الرغم من خطورة الموقف حين يعلم بعض المتشددين بموالين يدخلون هذه الأحياء. وسينسى آخرون في حلب اصطفافهم مع المعارضة ويعملون مع آخرين معارضين لتأمين مراكز لإيواء الهاربين من القصف المتبادل، غير آبهين بالرصاص المستمر فوق رؤوسهم. ويقومون معاً بتوزيع الحصص الغذائية على النازحين معتبرين أن القصف لا يفرق بين مؤيد أو معارض، وأن أولئك المدنيين لا ذنب لهم في هستيريا الموت المتواصل في البلاد. هي إذاً محاولة لفتح كوة في جدار العنف الدائر في البلاد لعل شيئاً من روح الحياة تتسرب عبرها.
النازحون في الداخل… مأساة أخرى
مع اشتداد العمليات العسكرية في الشتاء في حمص وريف دمشق بدأت مأساة جديدة تضرب العاصمة دمشق، مع نزوح أعداد كبيرة من أهالي حمص إليها، لتبدأ رحلة جديدة مع العذاب والمعاناة، فرضت نشاطاً إغاثياً من نوع آخر في الشام يتمثل في تأمين مسكن لهذه العائلات النازحة، وتأمين ما يعينهم غذائياً وطبياً، قبل أن تشهد العاصمة أزمة نزوح داخلية مع وصول المعارك إلى قلب الأحياء الدمشقية.
وقد فاقم ذلك الحال السيئة، في المنطقة من دون أن تكون باقي المحافظات أفضل حالاً. هذا إن تمكن أبناء هذه المحافظات من الوصول إلى مناطق آمنة بالأساس.
وتعتبر ناشطة في مجال العمل الإغاثي أن غالبية النازحين في دمشق ينتمون إلى حمص، حيث بدأت عمليات النزوح منذ مطلع الشتاء، مع مغادرة كبار تجار حمص ورجال الأعمال إلى دمشق. ولم يكن الأمر شاقاً على هؤلاء، فاستقروا وأعادوا بناء مشاريعهم، فيما موجة النزوح الأكبر شهدتها المدينة مع اشتداد القصف على أحياء حمص وفي مقدمتها حي بابا عمرو فتجاوزت الأعداد مئتي ألف نازح. فيما وصلت أعداد موازية تقريباً من ريف دمشق وخاصة من دوما وحرستا وداريا في الشهرين الأخيرين، فاستقر البعض منهم في دمشق وعاد آخرون إلى مدنهم، على الرغم من الدمار الحاصل.
وفرضت العمليات العسكرية الأخيرة في دمشق نزوح الآلاف من أحياء الميدان والقدم وكفرسوسة والقابون، ولكنه نزوح ضمن المدينة نفسها مما دفع عدداً من الجهات الحكومية إلى فتح المدارس لإيواء هذه العائلات الهاربة. وتشير الناشطة إلى أن باقي المحافظات لم تكن بحال أفضل. هكذا استقبلت حلب أبناء إدلب لتشهد الأخيرة نزوحاً عكسياً مع وصول الاشتباكات المسلحة إلى الشهباء.
واتجه أبناء حماه إلى القرى المحيطة بهم، والى دمشق في بعض الحالات. واستقبلت كل من الرقة والحسكة الهاربين من العنف في دير الزور فيما استقبلت اللاذقية وطرطوس أعداداً أقل من أبناء حمص. في المقابل ساهم طرف آخر في دمشق في خلق واقع أكثر من صعب يعيشه هؤلاء النازحون.
ففي مقابل نشطاء قرروا وصل ليلهم بنهارهم وفتحوا بيوتهم لإيواء الوافدين الجدد إلى الشام، بدت المسألة أكثر صعوبة في ظل استغلال الكثيرين للأزمة الحالية ورفع أجور البيوت بشكل خيالي حتى وصل ايجار المنزل في أحياء دمشقية بسيطة إلى ما يفوق مئة ألف ليرة سورية (ما يعادل تقريباً 1500 دولار أميركي) للشهر الواحد.
وتعمّد هؤلاء رفع الأسعار بشكل كبير، مترافقاً مع إجراءات يصفها ناشط شاب بكونها تنم عن «عنصرية مقرفة»، كمن يرفض منح السكن للايجار ولو بسعر مرتفع، إذا كانت العائلة قادمة من مناطق ساخنة. أو من يطرد المقيمين في المنزل المستأجر لأنهم استضافوا عائلات نازحة.
ولا يتردد آخرون في التضييق على النازحين تحت حجج تنم عن ضيق الأفق والتفكير كما يصفها الناشط، مما دفع البعض منهم إلى اتخاذ قرار بالعودة لمنطقة سكنه الأصلية حتى لو كانت مدمّرة بالكامل. على أن هذه المأساة لن تتوقف عند حدود دمشق فناشطون في حلب والحسكة والرقة تحدثوا عن بروز المناطقية والعنصرية إلى السطح مع وصول أبناء المدن المنكوبة إليهم ليحاول كثيرون في المقابل التخفيف من وطأة هذه الأعمال وتأمين المسكن والحياة الكريمة، بل وحصر هذا التضييق، في محاولة لمنع تعزيز شعور الحقد المتبادل والذي قد يودي بالبلاد إلى كارثة كبرى بحسب قول ناشط في الحسكة.
الإغاثة المسروقة… مأساة ايضاً
لن تتوقف مصاعب الناشطين في العمل الإغاثي عند مضايقات السلطة والمعارضة، ولا عند محتكري المواد الإغاثية، لتبرز أمامهم مشكلة جديدة تتجسّد في تمويل عملياتهم، في ظل تعليق الهلال الأحمر لبعض عملياته، أو صعوبة وصوله لمناطق ساخنة.
مما دفع الكثيرين منهم إلى التمويل بأنفسهم أو الاعتماد على تبرعات تصل من الخارج، وهذه تمثل وحدها أزمة كبيرة، حين يشير أحد الناشطين إلى أن قلة تلتفت للعمل الإغاثي في الخارج، مقابل اهتمامها بتمويل «الجيش الحر»، ليلفت بغضب إلى ذهاب كميات ضخمة من المال الآتي من الخارج لشراء السلاح لـ«الجيش الحر»، أو لمعدات الاتصال فيما يغرق آلاف الجرحى بدمائهم دون قدرة على إنقاذهم أو إيصال معونات طبية وغذائية، وهو ما يغيب حتى عن نداءات كبار الناشطين المعارضين الذين يرى الشاب الحمصي أنهم يطالبون بالحظر الجوي والإمداد العسكري من دون أي ذكر لمأساة مئات الآلاف من النازحين القابعين بين جحيم الرصاص من جهة وجنون الحياة حيث قرروا النزوح.

طارق العبد

السفير

التصنيفات : الأخبـــــار

الكاتب:syr2015

صوت المعارضة السورية الصادق

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

%d مدونون معجبون بهذه: