سوريون غير مرغوب فيهم/ حسين العودات

استقبل السوريون، بعد احتلال العراق عام 2003، حوالي مليون ونصف المليون من اللاجئين العراقيين، وقد شهدت بنفسي وشهد من كان في سوريا في ذلك الوقت، استقبال السوريين الحار لهؤلاء اللاجئين، والتعاطف معهم، وكان من يستطيع، يأوي في بيته أسرة عراقية ريثما تجد مسكناً لها في سوريا، كما تبرع السوريون بأقصى ما يقدرون لهؤلاء اللاجئين.

ودخل أبناؤهم المدارس السورية والجامعات مجاناً، واستقبلتهم المستشفيات الرسمية وعالجتهم بدون أجر، تماماً كما كان يعالج السوريون، وسمح لهم بالعمل في سوريا كالسوريين، سواء كان العمل عضلياً أم استثماراً (مهما كان صغيراً) وأظن أنه لم توجه لأي منهم كلمة من سوري يشعره فيها أنه غريب أو في غير بلده، حتى أثناء الخلافات والملاسنة والمضاربة لم ينطق سوري واحد، حسب علمي، بكلمة تشعر اللاجئ العراقي أنه لاجئ، أو تذكره بضرورة العودة لبلده، أو أن حريته وحقوقه منقوصة في سوريا، وقد عاش اللاجئون العراقيون في سوريا ـ ومازالوا يعيشون، بأمن وأمان، وعاد بعضهم إلى العراق بعد أن ساد الهدوء في مدينته أو منطقته، وبقي منهم حتى اللحظة في سوريا عشرات الألوف يتعايشون مع السوريين بدون أية مشكلة ناجمة عن كونهم لاجئين.

عام 2006، وخلال العدوان الإسرائيلي على لبنان، لجأ إلى سوريا مئات الألوف من اللبنانيين، وخاصة من الجنوب (ويقدرهم البعض بأكثر من نصف مليون لاجئ) وشهدت بنفسي أيضاً كيف استقبلهم السوريون بأريحية وكرم، وقدموا لهم متطوعين المأوى والمأكل والخدمات الصحية وشارك معظم أبناء الشعب السوري في التضامن معهم، والتبرع لهم، وإشعارهم بالأخوة والمودة، هذا إضافة إلى ما قدمته مؤسسات الدولة لهؤلاء اللاجئين، وكان مئات الرجال وآلاف النساء يعملون من الصباح حتى المساء طوال أيام تواجد اللاجئين في سوريا ليخدموا اخوانهم اللبنانيين ويمسحوا دموعهم، ويشعروهم بالتضامن والأخوة.

يذكر الأردنيون، كما أعتقد، عون الشعب السوري لهم أيام أيلول الأسود عام 1970 (ولا أريد أن أنبش في هذه الذكرى وأنكأ الجراح) التي تدمي القلب، وقد قيل يومها ان هذا العون والتضامن أمر طبيعي ينبغي أن يتجاوز التعاطف والتضحية، لأن الشعب على طرفي الحدود السورية ــ الأردنية ينتسب للقبائل نفسها، التي قسمتها اتفاقية سايكس بيكو إلى قسمين، أحدهما في الأردن والآخر في سوريا، ولعل (الحدود) السورية الأردنية هي من أغرب الحدود، فلا حاجز جغرافيا أو تاريخيا أو اجتماعيا أو غير ذلك كان له دور في رسمها، بل رسمها وزيرا خارجية فرنسا وإنجلترا على الورق، فكانت نتائجها مهزلة، حيث (مثلاً) وقعت البلدة في سوريا، وبقيت أراضيها الزراعية في الأردن، فضلاً عن تقسيم العشيرة والأهل إلى قسمين كل منهما في بلد، والأمر يضم كثيراً من الطرائف الأخرى المبكية المضحكة.

هكذا إذن، كان الشعب السوري متضامناً وودوداً ومضحياً ومتضامناً مع أشقائه العرب عند الملمات، وكان هذا هو شأنه دائماً في الواقع، ليس في التاريخ المعاصر فقط بل في الماضي القريب والبعيد، خاصة وأن سوريا الحالية هي قلب بلاد الشام ومركزها.

بعد بضعة أشهر من بدء حراك الشعب السوري وانطلاق تظاهراته، تطورت مواجهة السلطة لهذا الحراك، فتبنت أسلوب العنف، واستبعدت نهائياً الحل السياسي، وبدأت عمليات قتل المتظاهرين وتدمير المنازل أو حرقها ونهبها، وتهديد حياة المدنيين الآمنين، ثم تطورت المواجهة إلى تبني حل (حربي) وقصفت القرى والبلدات والمدن بالأسلحة المتوسطة والثقيلة.

ثم تبنت القصف بواسطة الحوامات، ومهما كانت الأسباب والأساليب فقد اضطر عشرات الآلاف من أبناء الشعب السوري، وخاصة أولئك الذين أصبحوا بدون مأوى ومأكل، مهددة حياتهم وحياة أبنائهم، إلى اللجوء إلى لبنان والأردن وتركيا، فماذا حصل؟

رفضت الحكومة العراقية استقبالهم وإدخالهم إلى العراق، ولم تسمح حتى للجرحى بدخول بلادها لأسباب أمنية (رغم وجود عشرات آلاف العراقيين في دمشق)، وبدون التفاف على الأسباب أو تبريرها، فإن الواقع، مع الأسف الشديد، والألم الشديد، يشير إلى أنها أسباب طائفية يصعب إخفاؤها، وقد آثرت الحكومة العراقية تبنيها ليس فقط متجاهلة الاستقبال السوري لشعبها أيام محنته بالاحتلال الأميركي، وإنما أيضاً أعطتها الغلبة على الواجبات الإنسانية، وحقوق الإنسان، فضلاً عن تجاهل الأخوة والتضامن العربي والمصير المشترك. وقد تراجعت مؤخراً أمام ضغط العشائر وهذا دليل على تهافت أسبابها.

في لبنان، أدخل اللبنانيون المسألة ضمن خلافاتهم السياسية، وأطلق بعضهم النار على اللاجئين كي يعودوا إلى سوريا أو لمنعهم من دخول لبنان، وأصدر بعض رجال الدين فتوى تبيح قتل هؤلاء اللاجئين، ومن المهم أن نتذكر أن أقرباء هؤلاء، هم أغلبية الذين لجأوا إلى سوريا عام 2006.

تصر الحكومة الأردنية على أن تتلقى هي بنفسها المساعدات التي تقدم لللاجئين السوريين، وتوزعها بمعرفتها، كما أنها تشكو عجزها (وفقرها) للدول المانحة، ربما لتتلقى مساعدات بدل استقبالها اللاجئين السوريين.

أما في تركيا، فندرة الماء والكهرباء والغذاء والطبابة والتعليم والخدمات الإنسانية الأخرى، أصبحت مشهودة، ويعرفها القاصي والداني، وتحولت مخيمات اللاجئين إلى ما يشبه السجون، ويسمع اللاجئ السوري رداً شهيراً، كلما طالب بتأمين هذه الضروريات، بجملة واحدة (إن لم يعجبك فارجع إلى سوريا).

ثار السوريون على سلطتهم السياسية لأنها أذلتهم، وأطلقوا شعارهم الشهير (الموت ولا المذلة) ويدفعون دماءهم وأموالهم للحفاظ على كرامتهم، فهل كتب عليهم أن يهربوا من مذلة إلى مذلة أخرى؟ إن الكرامة عزيزة على السوري (مثل غيره من الشعوب) فهل سيتحمل سفح كرامته على تراب لبنان والأردن وتركيا دون رد فعل؟ لقد بدأ رد فعله في تركيا في الواقع بما يشبه التمرد.

البيان

التصنيفات : المقالات

الكاتب:syr2015

صوت المعارضة السورية الصادق

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

%d مدونون معجبون بهذه: