الصراع على سوريا واللاعبون بدماء اللبنانيين

يلعب أهل النظام في لبنان بدماء رعاياهم، ممارسين، مرة أخرى، هوايتهم الوحشية المفضلة: «الروليت الروسية»، التي تتخذ من الصراع الدموي المفتوح في سوريا، وعبره الصراع على سوريا، موضوعاً للرهان القاتل. يدفع أهل النظام رعاياهم المنوّمين بالغيرة على الطائفة (أو المذهب) إلى الاندفاع نحو مهاوي الحرب الأهلية عبر تعميق الخلاف على الحقوق البديهية والواجبات الطبيعية الملقاة على عاتق الدولة بمؤسساتها المختلفة المدنية منها والعسكرية والبين بين. يتبدى لمن ينظر إلى لبنان من خارجه، أو إلى النظام اللبناني من داخله، وكأن هذه المخلوقات التي تطلق عليها تسمية «اللبنانيين» لم يكونوا شعباً في أي يوم، ولن يكونوا شعباً واحداً موحداً أبداً. فالدولة في لبنان «رمزية» الوجود، يمكن تغييبها باستحضار الطوائف (والمذاهب) التي تلغي المؤسسات جميعاً: الرئاسة، والمجلس النيابي، والحكومة بحقائبها الثلاثين (!!) والإدارة الطبيعية والإدارة الموازية المستولدة في غيبة القانون والرقابة! بل إن الطوائف تلغي، متى حضرت، هيئات التمثيل الشعبي: الأحزاب والنقابات والجمعيات والأندية الرياضية وصولاً إلى الروابط العائلية. لنأخذ أمثلة محددة من خلال الوقائع الإخبارية المتداولة حالياً: بلا وازع من الشعور الوطني (البديهي) أو من الضمير الشخصي أو الورع الديني، يتم التشهير بالظاهرة المضيئة في تاريخ لبنان الحديث: المقاومة ضد العدو الإسرائيلي، وبشراسة تفوق ما يمارسه العدو ذاته، وتجري محاولات دؤوبة لمسخ انتصارها في معركة التحرير العام 2000، ثم في صد الحرب الإسرائيلية في مثل هذه الأيام من العام 2006، عن طريق تصويرها وكأنها «خدمات» بالدم للنفوذ الإيراني.. والهيمنة السورية! أما الجيش الوطني فقد تعرض وما زال يتعرض لحملة زور وتزوير قاسية، تمتد إلى شرفه وتحاول زعزعة وحدته وتكشف مراكز تموضعه وحواجزه، وتكاد تحدد من عليه أن يسمح بمروره ومن عليه أن يمنع وصوله إلى حيث يقصد. جهة تحاكمه لأنه قد تمسلم، وجهة أخرى تحاسبه لأنه «ما زال المؤسسة المارونية الأولى». أما على المستوى السياسي فلا رئيس الدولة له حق القرار، ولا الحكومة بمكوناتها المؤتلفة على اختلاف في التوجه والقرار ـ تقدر أو ترغب في أن تحسم أمرها ـ قبل الأمور المعروضة أمامها، لا سيما أن المجلس النيابي يعيش في أسر توازن الصوت الواحد. تتفجر الصدامات في سوريا بين النظام والشعب، ويتعاظم الدم المراق جارفاً معالم الدولة التي كانت أحد مراكز التأثير الحاسم في المنطقة، فيتوزع الرعايا اللبنانيون خلف قياداتهم شبه المقدسة على المعسكرين المقتتلين في سوريا ويكادون ينخرطون في الصراع هنا، من دون أي تبصر في ما سوف تكون عليه أحوالهم إذا ما عجز كل من الطرفين عن الحسم العسكري وتفجرت الحرب الأهلية في سوريا وامتدت نيرانها إليهم. يقترب أعلى القضاة رتبة من سن التقاعد، وتشغر المواقع القيادية في هرم السلطة القضائية، ويغرق أهل النظام ويُغرقون معهم العدالة وحقوق المتقاضين في المستنقع الطائفي والمذهبي الآسن. تتمدد حركات التمرد والاعتراض والإضرابات، وبعضها مشروع، وبعضها الآخر مدفوع، وبعضها الثالث ممنوع قطعاً، وبكل الأعراف، فتتعطل الوزارات والإدارات، ويرفض الأساتذة تصحيح الامتحانات ـ كعادتهم كل سنة ـ للحصول على ما يرونه حقوقاً كادت وعود المسؤولين وقراراتهم الناقصة تضيعها. يُضرب موظفو الإدارة الرسمية و«يتضامن» معهم الوزراء. وتضيع موازنة الدولة في دهاليز المساومات وفي عمليات ابتزاز مكشوفة: اطووا صفحة الماضي واتهامنا بالتزوير فنقر لكم موازنتكم غير المتوازنة! تنشق النقابة الواحدة نقابات والحزب الواحد أحزاباً والإدارة الواحدة إدارات، وتصبح مسألة «المياومين» عنواناً دائماً للصحف والأخبار المرئية، وتتيه السفن ـ المولدات في البحر لانعدام النور، فلا تصل إلى أي ميناء، وتسود العتمة مولدة الشقاق بين الحلفاء. لا أحد يريد أن يفهم أن لا منتصر في لبنان نتيجة طوفان الدم في سوريا. فالخسارة ستطال الجميع إذا ما سقطت سوريا في أتون الحرب الأهلية. ماذا يعصم لبنان البلا دولة، والتي تتقاسم الطوائف محافظاته وأقضيته وإداراته وقواه العسكرية ومؤسساته الاقتصادية والمالية، وكلها هشة التكوين متصدعة البنيان مضروبة بالسرطان الطائفي.. ماذا يعصمه من أن يغرق في دماء بنيه؟ … مع ذلك فإن الدعوة إلى «الحوار» تلقى الرفض، ويصير ضرورياً الخضوع للابتزاز الطوائفي المموه بالسياسة، والمعزّز بالتوجيهات الدولية، من أجل لقاء أعظم نتائجه صورة المختلفين في مشهد جامع! هل من التسرع القول إن أهل النظام السياسي في لبنان سيكونون في خانة الخاسرين، إذا ما انهارت «الدولة» في سوريا وغرق السوريون في طوفان من دمائهم؟! ألا يكفي الرعايا في لبنان كل تلك الحروب الأهلية التي التهمت ربعهم في «الوطن» وأرسلت ربعهم الثاني إلى المهاجر، وما زال ربع ثالث على أبواب السفارات، ليفهموا أن حياتهم في سلامهم الداخلي، وأن ضمان قيام الدولة هو في إيمانهم بها موحدة بدل أن يظلوا رعايا المحميات الطائفية والمذهبية في النظام اللاغي الدولة؟! [ [ [ شغلتنا تخاريف رمضان عن استذكار يوم العيد: 23 تموز والثورة العربية بقيادة جمال عبد الناصر. مخجل ومحزن أن يكون الأمس أبهى من اليوم… وعساه لا يكون أبهى من الغد.

طلال سلمان-السفير

التصنيفات : المقالات, الأخبـــــار

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

%d مدونون معجبون بهذه: