القوات العسكرية الموازية/ حسين العودات

يرجع تأسيس القوات العسكرية الموازية (الانكشارية) في الدولة العثمانية إلى عهد السلطان أورخان الأول (1304) الذي شكل قوات عسكرية خاصة كان يختار أفرادها ويخضعهم لدورات تدريبية مكثفة ونوعية، وقد بدأ تأسيس قوات الانكشارية على أنها تشكيلات مؤقتة، لكنها اكتسبت صفة التشكيلات الدائمة في عهد السلطان مراد الأول (1360).

وكانت الغاية من تشكيل هذه القوات، هي أن تكون رديفاً للجيش النظامي، لكنها أكثر تنظيماً، وأفضل تسليحاً، وطُبق على أفرادها برنامج إعداد تربوي عسكري صارم، فكان جنود الانكشارية يؤخذون أطفالاً من مختلف الملل، ويبعدون عن أهلهم.

ويلحقون بمعسكرات التدريب، ويهيأون ذهنياً ووعياً للإيمان بعقيدة جديدة، حدها الأدنى الإخلاص المطلق للسلطنة والاستعداد للتضحية في سبيل السلطان، وفي الوقت نفسه قدم السلاطين العثمانيون الامتيازات لفرق الجيش الانكشاري وقادته وجنوده، وجعلوه مميزاً جداً عن الجيش النظامي، وكانوا يهدفون من وراء ذلك إلى إيجاد جيش بديل يدافع عن البلاد جزئياً، لكنه في الأساس يقوم بمهمات داخلية استثنائية في خدمة النظام والسلطنة والسلطان.

وكان السلطان يقود الجيش الانكشاري في الحروب، كما كان رئيس الجيش الانكشاري هو في الوقت نفسه رئيس الشرطة والأمن الداخلي، مما يشير إلى أن المهمات الرئيسة لهذا الجيش هي الأمن الداخلي. وبالفعل فقد أخاف السلاطين جميع شرائح المجتمع المعارضة والموالية، وجميع الطامعين بالعرش أو السلطة، بسبب استقوائهم بالجيش الانكشاري.

ولذلك تم تأمين مختلف طلبات هذا الجيش وتأمين الامتيازات لأفراده. إلا أن تراكم ظروف داخلية عديدة وصراعات داخلية أيضاً، واتساع حجم الإمبراطورية، وعجز السلطنة عن إدارتها، وتفشي الفساد والاستبداد، أدى إلى ضعف الإمبراطورية والسلطنة وضعف جيشها النظامي وتخلفه، حتى أنه رفض تطوير سلاحه وعقيدته العسكرية (استمر مثلاً باستخدام السيف بديلاً عن المدفعية).

ولهذا كله اضطر السلاطين العثمانيون للاعتماد على الجيش الانكشاري واستمرار تقديم الامتيازات العديدة له من أجل حماية السلطان والسلطة والنظام السياسي من المعارضة ومن الجيش النظامي.

ومن الطامعين عامة. لكن الذي حصل ، ومقابل حماية للسلطان، أخذ هذا الجيش يتصرف غير ملتزم لا بقانون ولا بنظام ولا بقيم، فتحول مع الزمن إلى عصابات مسلحة تهين الناس وتبتزها، بل تطورت قوة هذا الجيش وتدخلت بحياة الدولة حتى صار يفرض على السلطان تعيين (الصدر الأعظم) أي رئيس الوزراء، وقائد الجيش النظامي، وشيخ الإسلام (المفتي)، وفي إحدى المرات طلبت قيادة الجيش الانكشاري من السلطان سليم الثاني أن يقتل الصدر الأعظم وقائد الجيش وشيخ الإسلام دفعة واحدة.

وبعد رجاء كبير من قبل السلطان سمحوا ببقاء شيخ الإسلام على قيد الحياة. في الخلاصة أصبحت السلطة الحقيقية بيد الجيش الانكشاري، فأخذ يحكم الناس ويطبق قوانينه ويخالف قوانين الدولة، وبنهب ويبتز ويرفض واقعياً محاربة العدو الخارجي.

وصار عبئاً على السلطان والإدارة والمجتمع، ولكثرة امتيازاته استمرأ الرفاه ورغد العيش وأخذ يتجاهل ضرورة محاربة الأعداء ومواجهة الثورات الداخلية، بل صار همه التدخل في تعيين سلاطين جدداً، وكبار الموظفين.

لم يعد بالإمكان لا تطوير الجيش الانكشاري ولا تجديد بنيته ولا إلزامه بالكف عن الهيمنة على المواطنين والمجتمع وأموال الناس، ولا إعداده لمواجهة الأعداء، رغم كل ما كان يقدم له من امتيازات، مما اضطر السلطان محمود الثاني أن يدك ثكناته بالمدفعية ويحله، ويقضي عليه عام 1826، ويعود ليهتم بالجيش النظامي، مع الحرص على أن يؤدي مهماته الأصلية فقط وأن لا يتدخل في الشؤون الداخلية.

وفي عصرنا ورغم أن مهمة الجيش هي الدفاع عن استقلال البلاد ضد الغزو الخارجي إضافة إلى (المساعدة في مواجهة الكوارث)، إلا أن بعض الأنظمة المعاصرة لجأت إلى تشكيل قوات عسكرية موازية للجيش، وأبعدتها عن مهماتها الأصلية، وحولتها إلى حليف لفئة واحدة من الشعب هي الفئة الحاكمة.

وسمحت لها بالتدخل بالشؤون الداخلية مع أن الجيش للشعب كله، ولا علاقة له بالسلطة. ولتكسب السلطة ولاء هذه القوات قدمت لها الامتيازات بغير حق من جهة، وسمحت بتدخلها في الشؤون الداخلية كافة من جهة ثانية، ولعل هذه الظاهرة ليست جديدة بل هي ظاهرة تاريخية.

نلاحظ عامة لجوء بعض الأنظمة الشمولية والديكتاتورية إلى تأسيس قوات عسكرية استثنائية موازية للجيش، تعطيها أسماء متعددة ومتنوعة مثل: الأمن المركزي، القوات الخاصة، الحرس الجمهوري، قوات النخبة، أجهزة امن الدولة والأمن السياسي، الحرس الثوري وغيرها. كما تعطيها صلاحيات استثنائية ومزايا استثنائية.

وتسمح لها بالتدخل بشؤون الناس وقمع المعارضة وتأييد السلطة الحاكمة ظالمة أم مظلومة، وهكذا تتحول هذه القوات من قوات عسكرية مهمتها الدفاع عن الوطن والدولة والشعب إلى قوات تهتم بالدفاع عن السلطة والنظام السياسي.

لأن السلطة بحاجة ماسة لهذه القوات من أجل أن تحميها، لذلك تغض النظر عن مخالفتها القوانين والأنظمة وتوسع صلاحياتها، فتسمح لها بالهيمنة على جوانب عديدة من حياة الناس والمجتمع، وتجعلها شريكاً في السلطة، وكلما ضعفت الدولة كلما ازدادت حصة هذه القوات في الشراكة وسطوتها، حتى تصبح الدولة بكاملها تحت هيمنتها، وبدلاً من أن تكون تابعة للحكومة تصبح هذه تابعة لها، وتعيد قصة الانكشارية نفسها.

إذن لقد بدأ تشكيل القوات العسكرية (خارج إطار الجيش النظامي) منذ سبعمائة سنة، أي قبل عهد النهضة، واستمرت في مطلع النهضة وفي الدولة الحديثة وحتى عصرنا الحاضر، ورغم أنها ظاهرة استثنائية، لكن حاجة السلطات الدكتاتورية الحاكمة لها اضطرتها للجوء إليها بدون انقطاع، فأصبحت هي الأساس والقوات الأخرى النظامية هي الثانوية، ولاشك أنها تتغول حيثما وجدت مثلما تغولت الانكشارية، وأن الخلاص منها يحتاج لأسلوب مماثل لذلك الأسلوب الذي طبقه السلطان محمود الثاني.

وفي معظم الحالات، مثلما تأتي السلطات الحاكمة بهذه القوات لحمايتها فإنها تكون أولى ضحاياها، بعد أن تضعف أمامها حتى التلاشي.

البيان الاماراتية

التصنيفات : المقالات

الكاتب:syr2015

صوت المعارضة السورية الصادق

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

%d مدونون معجبون بهذه: