المعارضون بالصدفة

 

منذر خدام

14/7/2012

لقد دفعت انتفاضة الشعب السوري في سبيل حريته وكرامته وبناء نظام ديمقراطي بديل لنظام الاستبداد القائم المتحكم بالبلاد والعباد منذ نحو أربعة عقود كتلا كبيرة من الشعب وفئات وأفراد كثيرون إلى الحقل السياسي ليتشكل منهم طيف واسع من ألوان المعارضة السورية يغلب عليه ما أسميه المعارضة بالصدفة. فأغلب المنشقين عن الجيش السوري الرسمي كانوا حتى قبل انشقاقهم يرددون شعارات البعث في اجتماعاتهم الصباحية، هذا عداك عن أغلبية الشباب المشارك بالحراك الشعبي من تلامذة وطلاب المدارس والجامعات السورية الذين في أغلبيتهم الساحقة كانوا منتسبين إلى حزب البعث الحاكم أو إلى أحدى المنظمات المدنية التابعة له خرجوا عليه معارضين استمرار حكمه. وهناك من عمل في أجهزة الدولة والحزب الحاكم وتبوأ مناصب مرموقة فيها، ولديه ملفات كبيرة من الارتكاب بحق الشعب والدولة، خرج يشتغل معارضة أيضاً في محاولة لتبييض سمعته. وهناك فئة أخرى خرجت تشتغل معارضة بعد أن كانت حتى حين من المقربين والحلفاء الذين استغلوا علاقاتهم الوطيدة مع النظام ورجالاته خلال أربعين سنة من اجل تنمية ثرواتهم بصورة غير مشروعة . وثمة فئة أخرى ساهمت في الحراك الشعبي في بداية انطلاقه، ونتيجة لضغوط النظام على الحراك الشعبي واقتراب المخاطر منها فضلت الخروج من البلاد وطلب اللجوء السياسي والاستقرار في الخارج والعمل كمعارضة سياسية. وهناك فئة من المعارضين الذين يقيمون في الخارج لأسباب كثيرة(للعمل أو للعيش أو لغيرها) اغلبها أسباب لا تتعلق بمواقف معادية للنظام، فجأة بدأت تشتغل معارضة وتتقدم الصفوف. ولا يمكن تجاهل ألوان من المعارضة المسلحة التي تنتمي إلى تنظيمات إرهابية معروفة. لقد طغت المعارضة بالصدفة على تلك المعارضة التي لها تاريخ في العمل السياسي والتي تؤطرها أحزاب وتحالفات سياسية معروفة. بتكثيف أقول تتدرج المعارضة في سورية من معارضة اللحظة أو الموقف حتى معارضة النهج، من معارضة بعض رموز النظام السابقين وتجار السلاح ومن يقدم خدماته لدول كثيرة ومنها العدو الصهيوني، حتى معارضة الثوار على الأرض، وانتهاء بمعارضة جماعة الإخوان المسلمين وحزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي وحزب البعث الديمقراطي وحزب العمل الشيوعي وغيرها من الأحزاب التي عارضت النظام الحاكم منذ عقود من السنين وتعرضت للملاحقة والقمع والسجن وحتى محاولة التصفية. إنه لظلم شديد، عداك عن أنه خطأ معرفي وسياسي كبير أن يتم جمع جميع المعارضين للنظام السوري في الوقت الراهن، أو من يدعون ذلك، سواء كانوا من المعارضين بالصدفة أو من المعارضة التي لها تاريخ تحت مسمى واحد هو المعارضة السورية.

من حيث المبدأ يسهل التمييز بين فصائل المعارضة التي لها تاريخ ، على الأقل لجهة مرجعياتها التنظيمية، وخطها السياسي ، رغم ذلك يوجد بينها نوع من الاشتباك يصعب فكاكه. لقد وصل بها الأمر إلى حد تخوين بعضها البعض، بل التعارك بالأيدي في غير مكان ومناسبة، وربما تتعارك بالسلاح في المستقبل. بطبيعة الحال سوف يقرر صندوق الاقتراع في المستقبل مصير كثير من هذه الأحزاب، مع ذلك لا يجوز في التحليل السياسي عدم التمييز بين حزب يغير نهجه وسياسته وتحالفاته بدوافع انتهازية، وحزب آخر يمارس نهجا وطنيا بامتياز.

ويسهل التمييز أيضا فيما يخص “المعارضة بالصدفة” بين أولائك المعارضين الذي انشقوا عن السلطة للأسباب تتعلق بالسلطة ذاتها، بما فيها من مكاسب مادية ومعنوية، وهم اليوم من أكثر المعارضين في الخارج تطرفاً وعلو صوتاً، وبين أولائك الذين كانوا على مدى أربعة عقود موضوعاً يمارس النظام عليهم استبداده ونهبه. المشكلة الرئيسة التي تواجه مجموع المعارضين بالصدفة، وهم اليوم يغطون المشهد الثوري والسياسي في سورية، بغض النظر عن نشأتهم وعن طبيعتهم المعارضة، سواء أكانوا أفراداً أم تنظيمات حديثة تتمثل في ضعف خبرتهم السياسية ، وبالتالي عدم التمييز بين متطلبات الثورة على الأرض، وما تحتاجه في الحقل السياسي، بين الشعار التعبوي والرؤية السياسية. عدم التمييز هذا جعلهم يغرقون في المطالب دون تقديم أية حلول سياسية، بل صار الحقل السياسي بالنسبة للكثيرين منهم رجسا من عمل الشيطان. والأمر الأكثر غرابة بالنسبة للمعارضين بالصدفة هو سرعة تقبلهم وانزلاقهم إلى ساحة الصراع التي أرادها النظام، أعني ساحة العنف. منذ البداية كان واضحا أن النظام رسم إستراتيجيته لقمع انتفاضة الشعب السوري على أساس دفع الناس لحمل السلاح من خلال تكثيف القمع لهم، وقد نجح في ذلك للأسف. اليوم لا صوت يعلو فوق صوت السلاح، وهذا بالضبط ما أراده النظام، ليس فقط لأنه الأقوى في مجال استخدام العنف، بل لأنه بذلك يقضي على أية إمكانية لكي تلعب القوى السياسية المعارضة دور العقل المفكر والسياسي للثورة وحرمانها بالتالي من أن يكون لها قائد وموجه هذا من جهة، ومن جهة ثانية يستطيع تلويث الحراك الثوري من خلال خلق بيئة ملائمة لتنشيط وتفعيل مجموعات مسلحة ذات طبيعة إرهابية، وغير مرغوبة دولياً، وقد نجح بذلك أيضا. وكما نجح النظام بدفع الثورة نحو العسكرة، فإنه نجح أيضا بدفع المعارضة إلى رفض أي “حوار” معه، بل جعلها تتوهم أنها هي التي ترفض الحوار، في حين ،حقيقة، هو الذي لا يريد الحوار مع أي فصيل معارض لأنه يدرك جيدا أنه في حقل المفاوضات السياسية يتعرى وينفضح أمره أمام العالم، وأمام مناصريه وأمام عناصر أجهزته .

مشهد المعارضة السورية اليوم يتميز بالتناحر: الجيش الحر من جهته يخون المعارضة السياسية كلها، والمعارضة السياسية تخون بعضها بعضاً، ومدّعو النطق الرسمي باسم الثورة لا يعجبهم العجب، وكأنهم جميعاً أرادوا، بقصد أو بغير قصد، أن يقولوا للعالم بأنهم غير جاهزين ليكونوا البديل عن النظام، عداك عن أن يكونوا البديل الديمقراطي. والأخطر من كل ذلك بدأت تغيب عن شعارات الحراك الشعبي في الشارع تلك الشعارات الوطنية الجامعة، وتحت وقع التدمير الذي يقوم به النظام للمدن والبلدات السورية بذريعة وجود الجيش الحر فيها، بدأت تظهر هنا وهناك بعض السمات الطائفية للصراع، في تحقيق لعنصر آخر من العناصر التي بنى النظام عليها إستراتيجيته. وعلى العكس مما كان يتوقعه بعض الحالمين فلم يتغير هذه المشهد بعد المؤتمر الذي عقدته المعارضة السورية مؤخرا في القاهرة، بل جاء المؤتمر ليؤكده. فما إن انتهى المؤتمر، وقبل أن يجف الحبر الذي كتبت به الوثائق التي صدرت عنه، حتى عاد كل معارض إلى طبيعته، إنها أمراض ” المعارضة بالصدفة”.

نقلا عن جريدة الشرق الأوسط

التصنيفات : المقالات, الأخبـــــار

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

%d مدونون معجبون بهذه: