الثورة السورية وتحولات الهوية والانتماء

كان على السوري، دائما، ان يخفي كل هوياته وانتماءاته وثقافاته المتعددة، مخافة ان يحاكم على وهنه لنفسية ‘الأمة’. واعتباره عدوا للعروبة، وخادما لأجندة امبريالية وصهيونية ورجعية. كان عليه، الإنصياع ‘لجوهر الازلي والمطلق’ لعروبة البعث، الذي اوجد لمشكلة الهوية حلا قسريا واستبعاديا وغير تعاقدي، جعلها إطارا خاويا من التفاعل والمعنى، منفصلة عن مفهوم المواطنة ومتمتاهية مع مفهوم الرعية.

ذخرت سورية، ككيان حديث النشأة، بانتماءات متباينة وتناقضات موروثة /عرب -كرد، سنّة – علويّين، أكثريّة- أقليّات، ريف – مدن/ لم تعمل أنظمة ما بعد الاستقلال على رأب صدوعها، بل فاقمت تلك الصدوع ووسّعتها، وظهر ذلك جليا من خلال عروبة الاستبداد، التي حكم البعث باسمها، من خلق إطار وطني، جامع لكل الطوائف والمذاهب والاعراق المشكلة للمجتمع السوري، على العكس، أدت الممارسات الاستبدادية في فرض هوية فوقية إلى إفقار الهوية الوطنية وتحجرها، وتمتين دور الانتماءات الاجتماعية المنغلقة على ذاتها. ترافق ذلك مع إفقار لروح المّدنية واستنزافها، وتدمير الذاكرة الوطنية التي سبقت استلام حزب البعث للحكم، ووصف تلك المرحلة بالرجعية والتخلف، ونعت رموزها بالعملاء والمتواطئين مع الاستعمار والإمبريالية، أملا في خلق أجيال ترى في النظام صانع التاريخ والهويات الجامعة.
ذات النظام ‘العلماني’ الذي لم يبن مجتمعا مدنيا، خلال خمسين سنة من حكمه، حافظ على المجتمعات الأهلية المنغلقة وسرديتها الخاصة للتاريخ، مستفيدة من الوعي الطائفي سياسيا، عبر تضخيم ‘عقدة الاقليات’ لديها، وتغذية ثقافاتها بهاجس الموت والزوال. مع ربط مكانيزما قيادة هذه المجتمعات مع المصالح الامنية للنظام. رغبة في إزاحة أي صراع مع السلطة من خانتها السياسية إلى المجتمعية، وإظهاره على إنه صراع مذهبي وديني، وهو ما يحدث اليوم، وتتضمنه الرواية الرسمية للنظام حول الاحداث والثورة السورية.
اليوم، تطرح الثورة السورية أسئلة جوهرية حول الهوية الوطنية ومكوناتها، في ظل خارطة المصالح والتجاذبات، التي يغذيها البعد الطائفي في الصراع، ومحاولات بعض القوى الراديكالية، تطييف النظام السياسي، وتوزيع السلطات على اسس طائفية، في سورية المستقبل. مبتعدة بذلك عن الجوهر الديمقراطي للدولة المدنية، حيث تتكون الاغلبية والاقلية فيها، على اسس سياسية، تفرزها صناديق الاقتراع.
إن السبب الرئيسي في اتساع الهواجس والتباينات بين المكونات المجتمعية المختلفة في المجتمع السوري لا يعود إلى تنوّع هذه المكونات، وإنما إلى استثمارها سياسيا وإدارتها بشكل سيء خلال المراحل السابقة، والعمل على صورة المجتمع المتعايش دون البحث في مكونات الصورة ومتطلباتها.
الواضح، أن وطنية جديدة تتشكل اليوم في سورية، رغم كل المآسي والعنف وفقدان الثقة، حيث تتفتح مشاعر السوريين على احاسيس وطنية جديدة، تتحرر من رتم الخطابية وتواترها العقيم في شعارات البعث. يدل على ذلك، هتافات الثوار واكتشافهم الجديد لجغرافية بلدهم، ليس على مستوى التعرف إلى اسماء المدن والبلدات والقرى، التي لم يسمعو بها من قبل، بل في اكتشافهم الجديد والمحسوس للمعاني الوطنية الجديدة، بعيدا عن الشخصنة والتآليه. تُغني الثورة انتماءات الثوار وتكسبهم هوية حياتية جديدة، لا تقوم على مبدأ الاستعلاء الايديولوجي، والاستبعاد القصري. هذا ما نتلمسه في هتافات الثوار. يهتف أهالي درعا يوميا لمدينتهم وللمدن الاخرى، لا يعني ذلك، أنهم يدعمون المناطقية، ويقفون ضد الهوية العربية أو الهوية الوطنية الجامعة لكل السوريين، على العكس، انها الروح الوطنية في فضاءات جديدة، تلك التي استلهموها من تاريخهم الحديث، إبان الانتداب الفرنسي وما تبعه من صراع وطني بين القوى المسكونة بالماضي من موالي الانتداب، وقوى مسكونة بالمستقبل من موالي الكتلة الوطنية. تلك المرحلة الوطنية التي تحددت بوعي ديمقراطي وانتهت بتوحيد الدويلات سورية، وحررت الحياة السياسية من العصبويات القومية والدينية والمذهبية، تولى خلالها فارس الخوري ثلاث مرات رئاسة الوزراء، كان اخرها عام 1954، وفوزي سلو رئاسة الجمهورية عام 1951.
لا شك أن سورية تعيش الآن لحظة فارقة ومؤلمة، بسبب الاستقطاب السياسي والاصطفاف الايديولوجي، للتيارات والفئات الاجتماعية، ومحاولة كل طرف تأمين نفسه ضد اخطار المستقبل. زد على ذلك، تداخل المصالح والتجاذبات الاقليمية والدولية في الحالة السورية والتي ترتد على الداخل السوري في زيادة التشنج والاحتقان. الامر الذي يفرض على عاتق الثورة السلمية والحراك الشعبي، خلق ركائز اجتماعية وسياسية للحالة الوطنية الجديدة، تعتمد الانفتاح على الآخر والاعتراف به كشريك في بناء هوية وطنية متفاعلة، اساسها الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، بعيدا عن التخشب الايديولوجي والشعارات السائلة.
إن الأزمة التي تعصف بسورية اليوم، وأيا كانت مآلاتها، تشكل فرصة تاريخية لبناء عقد اجتماعي جديد يرسي قيم مواطنة، قانونية ودستورية واجتماعية حقيقة، تفسح المجال للقوى المعتدلة، العابرة للطوائف لاجتراح خيارات منطقية مختلفة عن منطق النظم القائمة؛ التي تلوح بالحرب الاهلية كبديل عنها.
عماد مفرح

القدس العربي

التصنيفات : المقالات

الكاتب:syr2015

صوت المعارضة السورية الصادق

One Comment في “الثورة السورية وتحولات الهوية والانتماء”

  1. غسان كيالي بن أحمد
    2012/07/08 في 14:33 #

    مقال فذ يطرح رؤية وتحليل عاقلين متأنين ، في زحمة مقالات مغايرة جلها لا يسمن ولا يغني من جوع سبق أن دعوت إلى ذات المضامين في مقالات وتعليقات سابقة ، وقد أتى هذا المقال ذو مضمون جدير بالاحترام ، في مرحلة حرجة ليشير إلى معالم يغفلها أو يتغافل عنها الأُلى ،في مضمون دال على سعة وعمق اطلاع ومكث كاتبه .. أحيّ الكاتب ويزيدني شرفاً التعرف عليه والتواصل معه ..

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

%d مدونون معجبون بهذه: