الفوضى ومقدمات الحرب الأهلية/ حسين العودات

تنتظر دول العالم شرقها وغربها، الأوروبية والأميركية والعربية، فضلاً عن السياستين الروسية والصينية، أن تحل مبادرة عنان الأزمة السورية بمناسبة زيارته لدمشق، أو تضعها على طريق الحل، ويشاركها في هذا الرأي مجلس الأمن، والمنظمات الدولية، وتؤكد هذه الأطراف جميعها أن هذه المبادرة هي السبيل المناسب والفرصة الأخيرة للوصول إلى حل حقيقي لهذه الأزمة، وخارطة طريق لتفكيكها وصولاً إلى حل سياسي مقبول من الجميع داخلياً وخارجياً.

إن مبادرة كوفي عنان هي نفسها تقريباً مبادرة الجامعة العربية، وتمثل في الوقت نفسه رؤى الجمعية العامة للأمم المتحدة، ومن المفروض أنها مبادرة جامعة مانعة، تستوعب الأزمة، وتضع لها حلولاً ناجعة توصل سوريا إلى بر الأمان، ويؤكد جميع المحللين والسياسيين ومعظم المراقبين ومراكز البحث والدراسات، أن هذه المبادرة قادرة ــ إذا طبقت ــ على تحقيق الأهداف، ولكن في الواقع تتراكم أكوام من الصعوبات والعقبات، تكاد تجعل تطبيقها متعذراً. وهذا ما تدركه جميع الأطراف ذات الشأن، إلا أن عدم وجود البديل الجاهز لديها يجعلها لا تفعّل مواقفها بإجراءات رادعة لمن يعرقل هذا التطبيق، بانتظار ظروف جديدة تساعد على إيجاد البديل، ويبدو أن صعوبة تطبيق المبادرة وعدم وجود بدائل جدية لها، أديا إلى سقوط الأزمة السورية في الرمال المتحركة التي يزداد خطرها كلما حاول من يقع فيها الخروج منها.

إن مبادرة كوفي عنان مؤلفة من قسمين: أولهما التهيئة لمقدمات الحوار السياسي وإيجاد المناخ المناسب لذلك وخاصة إعادة زرع الثقة بين السلطة والمعارضة، من خلال سحب الجيش من القرى والبلدات والمدن وإعادته إلى ثكناته، وإطلاق سراح المعتقلين الذين قد يتجاوز عددهم الثلاثين ألفاً، والسماح بالتظاهر السلمي، وتأمين حاجات المدنيين في كل مكان من سوريا، والسماح لوسائل الإعلام ومراسليها والصحافيين رصد الحراك الجماهيري السوري. أما القسم الثاني فهو الاتفاق على الحوار (مضامينه وأهدافه وأساليبه ومنهجيته).

لكن الملاحظ أن السلطة السورية (رغم إعلانها أنها مع المبادرة) ترفض تحت أسباب ومبررات عديدة، إعادة الجيش إلى ثكناته بحجة مواجهة المسلحين والعصابات الإرهابية، كما ترفض السماح بالتظاهر السلمي تحت مبرر وجود مخربين وتآمر خارجي، ولا توافق على تقديم مساعدات للمدنيين إلا بطريقها، وتشترط أخذ تعهد من بعض الدول بعدم مساعدة الثوار السوريين، وبالتالي فإن السلطة السورية ترفض واقعياً جميع بنود المبادرة. إلا أن هذه السلطة لا تريد أن تعلن رفضها صراحة، رغم علمها بأنها لن تطبقها، وتمارس السياسة المحببة إليها وهي (قل ما يرضي الناس واعمل ما يرضيك) فليس من مصلحتها الرفض العلني للقرارات الدولية والعربية.

ومن المؤكد ــ على أية حال ــ أنها ترفض معظم متطلبات المبادرة بما في ذلك الحوار، وحتى لو قبلت الحوار فإنها تريده حواراً بين وفدين أحدهما من المعارضة والآخر من السلطة، يناقشان القوانين التي أصدرتها السلطة خلال الاثني عشر شهراً الماضية، باعتبارها قوانين إصلاحية (قوانين الصحافة والأحزاب والدستور الجديد والانتخاب وغير ذلك) وتعديل ما ينبغي تعديله منها، وهذا هو مدار الحوار الذي تقبل به السلطة السورية، أي أنه نقاش حول تعديل القوانين التي أصدرتها ليس إلا.

من طرف آخر ترفض المعارضة السورية، ويرفض الأوربيون والأميركيون ومعظم الدول العربية (والجامعة العربية أيضاً) البدء بالحوار قبل استكمال مقدماته، لأن ذلك هو السبيل الوحيد لبناء الثقة، وبالتالي فإن التناقض كبير بين هذه الأطراف وبين السلطة السورية، أما ما يتعلق بالحوار نفسه فإن هذه الأطراف ترى أنه يجب أن يكون حواراً يهدف إلى تغيير النظام إلى نظام ديمقراطي تعددي تداولي، وتكون مهمة المتحاورين تشكيل حكومة وحدة وطنية لها كل الصلاحيات بما فيها (صلاحيات رئيس الجمهورية) تقرر عقد انتخابات لمجلس تأسيسي يضع دستوراً جديداً يعرضه على الاستفتاء الشعبي، كما يكون لها حق إصدار قوانين وتشريعات تنظم الحياة السورية في المرحلة الانتقالية، وصولاً إلى نظام سياسي جديد مستقر.

وترى الأطراف جميعها (ضمناً) أن ذلك يعني تنحي الرئيس الأسد عن مهماته، سواء قبل عقد الحوار أم بعده. وواضحة الفروق الهائلة بين وجهتي نظر الطرفين. وعلى ذلك فإن مبادرة عنان من حيث الشكل والإطار العام والمضمون ربما تشكل مدخلاً لحل الأزمة، لكن التطبيق يقتضي اتخاذ إجراءات دولية جادة، فلا يكفي هذا الاتفاق الشكلي على أهميته، ولعل جميع الأطراف تعرف ذلك، وتوقن استحالة وصول المبادرة إلى حل جدي رغم شمولها بسبب هذه الصعوبات. إلا أن الجميع إما أنهم يخدعون أنفسهم أو يخدع بعضهم البعض الآخر، بانتظار ظروف أخرى تأتي على حصان أبيض.

وريثما يتم ذلك فإن الشعب السوري يقدم يومياً ضحايا جديدة، ودفقاً جديداً من دم أبنائه، فضلاً عن تحمله ضنك العيش ونتائج العقوبات الاقتصادية، والأزمات المعيشية التي تزداد يوماً وراء يوم، والنظام السوري، كما يبدو، غير مهتم بمصير شعبه ولا بتضحياته ولا بالأزمة الاقتصادية التي يواجهها، ولا يرى أنه مسؤول عنها، ومازالت الأولوية الأولى بنظر النظام، هي بقاؤه في السلطة بقضه وقضيضه وممارساته وقبضته الحديدية، دون أن يعترف لا بأزمته كنظام ولا بأزمة المجتمع السوري، ويلقي التبعات على الغير، وخاصة على الخارج (المتآمر على سوريا الممانعة).

يبدو أن جميع ذوي العلاقة ينتظرون، وأن الأزمة غرقت بالوحل، ويرى كثيرون أن سوريا مقبلة على الفوضى وعلى الحرب الأهلية، التي أصبحت مقدماتها واضحة، بل ربما قطعت خطوات في طريقها التقليدية، التي تبدأ بالعنف الذي يتصاعد إلى فوضى ثم إلى حرب أهلية وينتهي بحرب طائفية.

البيان 02-06-2012

حسين العودات

التصنيفات : المقالات

الكاتب:syr2015

صوت المعارضة السورية الصادق

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

%d مدونون معجبون بهذه: