هل يكفي التحذير من «حرب أهلية» في سوريا؟ * عريب الرنتاوي

خلال الساعات القليلة الفائتة، ترددت عبارة “الحرب الأهلية” على ألسنة مسؤولين دوليين كثر…فلاديمير بوتين يرى “مؤشراتها ويحذر من”نُذرها”…بان كي مون يحذر من الانزلاق الى “أتونها”…ووزير خارجية بريطانيا ويليام هيغ يعتقد أن سوريا تقف على “شفير هاويتها”…خلاصة واحدة، انتهت اليها تصريحات مسؤولين يتخندقون في مواقع متقابلة في الأزمة السورية، يختلفون على كل شيء، ويتفقون على أن شبح الحرب الأهلية يطل برأسه البشع من تضاريس الصراع الدائر في سوريا وحولها.

والحقيقة أن مثل هذه التقديرات لمستقبل سوريا، لم تأخذ كثيرا من المراقبين عن كثب للمشهد السوري، على حين غرة، فحديث الحرب الأهلية يجري ترديده منذ عدة أشهر بين هؤلاء، وكاتب هذه السطور كان من بين من تساءلوا بأنه اذا لم يكن ما يجري في سوريا الحرب الأهلية، فما الذي يجري على أرضها، بين شعبها ونظامها من جهة، وبين أبناء شعبها أنفسهم من جهة ثانية، اذن؟.

الحديث عن “حرب أهلية” قائمة أو وشيكة، يُسقط ادعاءات النظام بأنه “يدير مشروعاً اصلاحياً” أو يدافع عن سيادة منتهكة ووحدة وطنية مستهدفة…كما أنه ينزع عن الثورة السورية في المقابل، أو هو في طريقه لأن ينزع عنها، صفة الثورة الشعبية الهادفة اسقاط النظام وتغييره (دع عنك حكاية سلمية…الحرب هنا تكفّ عن أن تكون حرباً بين مشروعين (أو أكثر لمستقبل سوريا.

الحرب هنا تستحيل الى معارك متنقلة تدور رحاها بين “مكونات الشعب السوري”، تُستحضر فيها مختلف أدوات الحروب الأهلية ومنطقها، أو بالأحرى لا منطقها الخاص، من استهداف المدنيين المتبادل، الى القتل على الهوية، الى الترانسفير السكاني الى غير ما هنالك مما شهدنا وعشنا ولمسنا في لبنان (1975 – 1976) أو في العراق (2005 – 2007).

بخلاف العراق، حيث التدخل العسكري فتح جميع الأبواب على مصاريعها للحروب والاصطدامات الأهلية، فان الحرب الأهلية التي تقف سوريا على عتباتها، هي واحدة من أهم موانع هذا التدخل…ولقد قالتها السيدة كلينتون قبل أيام في سياق تبريرها لاحجام الولايات المتحدة عن التدخل عسكرياً لحسم الأزمة السورية، وقالها مسؤولون آخرون (أوباما) تحدثوا بحذر شديد عن ديناميكيات الحرب (الذاتية) التي ما أن تنطلق حتى يصعب التحكم بها ولجم تداعياتها، ودائماً في سياق تبرير الاحجام عن التدخل العسكري.

في مقابل “سيناريو التدخل العسكري الممنوع”، لا يبدو أن مبادرة كوفي عنان السلمية، التي تحظى وحدها بتأييد اقليمي ودولي واسع النطاق، قادرة على وضع السوريين على سكة المعالجة السياسية للأزمة…ومن الواضح تماماً أن الوضع في سوريا قد بدأ يخرج عن زمام السيطرة والتحكم…فلا النظام بات راغباً أو حتى قادراً ان رغب، على الوفاء بالتزامته حيال الموفد الدولي، ولا المعارضة قادرة على التحكم بنشاط ألوف المسلحين المرتبطين بمروحة واسعة من المرجعيات الأصولية والاستخبارية، الموزّعة ولاءاتها وارتباطاتها على أجهزة أمنية خليجية وتركية ودولية متوافقة حيناً ومتناحرة أحياناً.

لكل هذا وذاك، لا يبدو أن الأفق القريب أو المباشر محمّلٌ ببوادر الأمل والرجاء بقرب وقف نزيف الدم السوري، بل أبعد من ذلك، فان هذه الأزمة كما قال مسؤولون دوليون كثر، مرشحة للامتداد الى دول الجوار، وثمة قلق حقيقي، خصوصا بعد “جريمة الحولة” من أن “تتنفس” الأزمة في لبنان والعراق، وأن تبدأ تداعياتها “الارهابية” بالتأثير على أمن الأردن واستقراره، كما حصل في زمن “الأنبار 1”، وسوريا برمتها مرشحة لأن تكون “أنبار 2”.

سبب استعصاء الحل السياسي للأزمة السورية، يكمن في اصرار بعض اللاعبين الاقليميين والدوليين على ابقاء هذا الملف مفتوحاً…لاسرائيل مصلحة في تفتيت سوريا واشغالها في حرب أهلية مُستدامة…ولبعض العواصم الخليجية مصلحة في تحويل سوريا الى ساحة تصفية حسابات مع ايران وحلفائها على امتداد هذا المحور…ولتركيا التي لا تكف عن التبشير بفشل خطة عنان حتى قبل انطلاقتها، دور في اطالة أمد الأزمة وتحوّها الى صراع عسكري مفتوح لا ينتهي الا برحيل النظام الذي حرقت أنقرة كل سفنها معه.

بارقة الأمل الوحيدة التي ما زالت تلوح في الأفق، باتت معلقة على قمة بوتين – أوباما، التي ان أمكن خلالها صياغة قراءة أمريكية – روسية مشتركة للمشهد السوري، فان فرص انقاذ مهمة عنان ستصبح ممكنة، وسيصبح بالامكان حشد موقف اقليمي – دولي، يجبر مختلف الأطراف المحلية المصطرعة على الجلوس الى مائدة حوار والحل السياسي، ويملي على داعميهم الاقليميين والدوليين تجفيف مصادر الدعم والتمويل والتسليح التي تقود سوريا بسرعة وتسارع الى “حرب أهلية” يحذر منها الجميع بصوت مرتفع، ويقف الجميع عاجزين عن منع انزلاق سوريا الى “أتونها”.

التاريخ : 03-06-2012

التصنيفات : الأخبـــــار

الكاتب:syr2015

صوت المعارضة السورية الصادق

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

%d مدونون معجبون بهذه: