الانتفاضات العربيّة وفلسطين في المخيال السوريّ

سماح إدريس

أـ الانتفاضات العربيّة في المخيال السوريّ.

حين اندلعت انتفاضتا تونس ومصر شعر آلافُ السوريين أنّ دورَهم قد حان لإسقاط نظامهم. “إجاك الدور يا دكتور” كان أحدَ شعارات الغرافيتي المشهورة على جدران سوريا. في البدء (آذار ـ نيسان 2011) اكتفى أكثرُ المتظاهرين السلميين بالمطالبة بإصلاحاتٍ فوريّةٍ تَرْفع الذلّ اليوميّ عن كاهلهم. لكنْ، بعد أن تعامل النظامُ معهم بوحشيّةٍ فائقةٍ، أخذوا تدريجيّاً ينادون بإسقاطه، أسوةً بما فعله المنتفضون التوانسة والمصريون من قبل. على أنّ أحدَ الاتّهامات التي وُجّهتْ إليهم هو أنّ إسقاط النظام سيُضْعف المقاومتيْن في لبنان وفلسطين ــ وهو اتهامٌ لم يسبقْ أن واجهه المنتفضون في أيٍّ من البلدان المنتفضة الأخرى بسبب مواقف رؤسائها المؤيّدة للسياسة الأميركيّة.

في البدء كان دحضُ هذه التهمة أمرًا يسيرًا؛ فلم يُعرفْ عن المتظاهرين السوريين أنهم دَعموا الهيمنة الإسرائيليّة أو الأميركيّة في أيّ وقتٍ من الأوقات وبأيّ شكلٍ من الأشكال، بل كانت الانتفاضة السوريّة تُعتبر لدى غالبيّة الناس هبّةً أصيلةً ضدّ نظامٍ مارَسَ عقودًا من الاضطهاد باسم الشعارات القوميّة والثوريّة. إلاّ أنّ دعمَ حزب الله وإيران لنظام الأسد، إعلاميّاً وسياسيّاً، دَفَعَ بعض المتظاهرين السوريين (ضمن “المجلس الوطنيّ” لا ضمن إطار “هيئة التنسيق الوطنيّة” مثلاً) إلى إدانة الحزب وإيران. وقد أجّجتْ غضبَهم إشاعاتٌ تفيد بضلوع الحزب وإيران في أعمال القنص والتعذيب ـ وهو ما نفاه الحزبُ بشدّةٍ على لسان أمينه العامّ.

وفي المقابل، رأى أنصارُ النظام، السوريون واللبنانيون، أنّ الانتفاضات العربيّة (أو “الربيع العربيّ بين مزدوجين” كما يسمُّونه استهزاءً) دليلٌ قاطعٌ على المؤامرة ضدّ نظام الأسد “المعادي للسياسات الإمبرياليّة”. ففي النهاية، كما يصرّحون أو يلمّحون، ألم يكن النظامُ “الإسلاميّ المعتدلُ” في تونس الجديدة هو الذي استضاف مؤتمرَ “أصدقاء سوريا” (الأوّل) ضدّ النظام “العلمانيّ” في سوريا؟ أوليس “ثوارُ الناتو المسلمون المعتدلون” في ليبيا الجديدة هم الذين “يدرّبون” أصوليّي تنظيم القاعدة و”العصابات الإرهابيّة المسلّحة” في سوريا؟ أوليس نبيل العربي، أمينُ عامّ الجامعة العربيّة وخصمُ حسني مبارك في مصر الجديدة، هو الذي يقود الديبلوماسيّة العربيّة ضدّ النظام “الممانع”؟

ولكي تزداد الصورةُ تعقيدًا، أمعن قسمٌ من المعارضة السوريّة، وتحديدًا المجلسُ الوطنيّ السوريّ (م. و. س)، في تنسيق سياساته مع تركيا وقطر وفرنسا والسعوديّة والولايات المتحدة. كما اتخذ مواقفَ أضعفتْ من صورة المعارضة في أعين من أيّدها أولَ اندلاعِ الانتفاضة، من قبيل:

ـ الدعوة إلى تدخّلٍ عسكريٍّ أجنبيٍّ مباشر. صحيح أنّ ردّ النظام على الانتفاضة أدّى، خلال عامٍ واحد، إلى سقوط أكثر من 8000 قتيل، وإلى آلاف المعوّقين، وعشرات آلاف المهجّرين. وصحيح أنّ الحبل على الجرّار، كما يبدو. لكنّ كثيرًا من السوريين ما يزالون يرفضون التدخّلَ الأجنبيّ، كما أنهم يخشوْن من تكرار السيناريو الليبيّ في بلادهم (ما بين 40 إلى 50 ألف قتيل خلال مدةٍ وجيزةٍ جرّاء قصف الناتو)، كي لا نقول السيناريو العراقيّ الأقرب إلى الجحيم! هذا ناهيكم بما سيجرّه التدخّلُ العسكريّ الأجنبيّ من ويلاتٍ على العمران (وبخاصةٍ داخل المدن)، ومن تعريض البلاد لنهب الشركات الأجنبيّة بعد “التحرير”.

ـ المطالبة بتسليح الانتفاضة (بدلاً، مثلاً، من تصعيد النضال الشعبيّ اللاعنفيّ على طريق العصيان المدنيّ)، ومن دون حسابِ ما قد يجرّه ذلك من خسائرَ بشريّةٍ إضافيّةٍ لكون النظام أقوى تسلّحًا من المعارضة بما لا يقاس.

ـ بروز حالات مذهبيّة بشعة داخل هذه المعارضة، إما عبر التصريحات (كما فعل النائب السابق مأمون الحمصي حين هدّد بجعل سوريا “مقبرة للعلويين” إنْ لم يوقفوا دعمَهم للنظام)، وإما بأعمال خطفٍ وقتلٍ مذهبيّةٍ نُسبتْ إلى المعارضة.

طبعًا، الغائب الأكبر عن هذه الصورة هو قسم آخر من المعارضة للنظام، كـ “هيئة التنسيق الوطنيّة” التي ترفض التدخّل الخارجيّ وتسليحَ الانتفاضة والحربَ الأهليّة الطائفيّة، وتصرّ على تغيير النظام بالضغط الشعبيّ الداخليّ، وعلى عدم الانتقال بسوريا من محور إلى آخر.

ب ـ فلسطين في المخيال السوريّ على ضوء الانتفاضات العربيّة.

لا ريْب في أنّ كلّ الانتفاضات العربيّة كان هاجسَها الأول الخلاصُ من الاستبداد الداخليّ. وفي سوريا تحديدًا، اعتبر كثيرٌ من المعارضين والناشطين السوريين أنّ “فلسطين” كانت محضَ شعارٍ يختبئ خلفه النظامُ السوريُّ ليبرِّر المزيدَ من ذلك الاستبداد. وهم لا ينفكّون يذكّرون بدوره في قتال الفلسطينيين، وشقِّ صفوفهم، واحتوائهم، منذ نشوء الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة. ولطالما قالوا إنّ فلسطين ارتبطتْ في أذهانهم بفرع الأمن الدمويّ المعروف باسم “فرع فلسطين”، المسؤولِ الأولِ عن تاريخٍ طويلٍ ومتواصلٍ من الاستجواب والتعذيب. معارضون آخرون، أكثرُ هدوءًا، يقرّون بدور النظام في دعم المقاومة الفلسطينيّة (واللبنانيّة)، لكنهم لا يروْن أنّ هذا الدعم يبرّر، مثلاً، معسَ السوريين والتعفيسَ عليهم وقلعَ أظافرهم. وهم لا يفهمون ما تعنيه كلمةُ “الممانعة” بالضبط حين لا يكون ثمة قتالٌ مباشرٌ، مثلاً، على جبهة الجولان منذ أربعة عقود؛ وحين تعترف الحكومةُ السوريّةُ بالقدس الشرقيّة عاصمةً لفلسطين، بما يعنيه ذلك من اعترافها أيضًا بالقدس الغربيّة عاصمةً لإسرائيل؛ وحين يعلن أحدُ رموز النظام (رامي مخلوف) في مقابلةٍ مع الصحافيّ القدير المرحوم أنطوني شديد أنّ أمن إسرائيل مرتبط بأمن سوريا.

في المقابل، يصرّ أنصارُ النظام على أنّ “عيوب” النظام في طريقها إلى التلاشي بفضل إصلاحات بشّار “الجدّيّة”، وأنّها في كلّ الأحوال لا تطمس تاريخَه (وتاريخَ أبيه وحزبِ البعث) في دعم الفصائل الفلسطينيّة “المعادية للتسوية”. وهم يردّون على المجلس الوطنيّ السوريّ المعارض بالقول إنّ قادتَه لم يُظْهروا أيّ تفوّقٍ على النظام في مواقفهم من إسرائيل ومواجهتها:

فنائبة المجلس الوطنيّ، بسمة قضماني، جهرتْ عام 2008 ، في الذكرى الستّين لنشوء الكيان الإسرائيليّ الغاصب، وفي حديث (غير مفبرك) إلى التلفزيون الفرنسيّ، بضرورة وجود “إسرائيل” بشكل مطلق (أبسولومان). ورئيس المجلس، برهان غليون، أعلن أنّ “سوريا الجديدة” ستسترجع الجولانَ بالمفاوضات (أيْ بأسلوب الأسديْن، الأبِ والابن، لا غير)، وأنها ستوقف دعمَها لحماس (وحزب الله). ومُلهم الدروبي، من الإخوان المسلمين، وهم فصيل أساسيّ في المجلس المذكور، شارك في ندوةٍ في باريس، الصيفَ الماضي، قام بتنظيمها برنار هنري ـ ليفي، “مخلّصُ ليبيا” الذي سبق أن أيّد قصف المدنيين في غزّة بين نهاية العام 2008 وبداية العام 2009. والمتظاهرون السوريون أنفسُهم، كما يبدو، وعلى الرغم من بعض الإشارات القليلة إلى فلسطين، لم يُطْلقوا حتى اللحظة اسمَ “جمعة فلسطين” أو “جمعة التضامن مع أسرى فلسطين” على أيٍّ من الجُمَع الانتفاضيّة التي يقدّر عددُها اليومَ بالعشرات ــ وهو ما يمكن تأويلُه بأنّ قيادة المجلس الوطنيّ لا تريد أن تبعث “رسالة خاطئة” إلى المجتمع الدوليّ.

مع تفاقم الأوضاع في سوريا، تراجع الحديثُ في الشارع السوريّ عن فلسطين ــ وهو أمرٌ متوقّع بالطبع. ويُستثنى من ذلك بعضُ الحالات القليلة من قبيل: 1) تخطيط مقرّبين إلى النظام “مسيرة عودةٍ” ثانيةً عبر الجولان المحتلّ في ذكرى يوم الأرض. نذكّر بأنّ مسيرة العودة في العام الماضي قد اعتبرها كثيرون “خطّة مبيّتةً” من النظام السوريّ لحرف الأنظار عمّا يرتكبه داخل سوريا، وذلك عبر إعادة “توجيه البوصلة نحو العدوّ القوميّ، إسرائيل.” 2) سقوط ضحايا فلسطينيين في الأحداث السوريّة نتيجةً للقصف. 3) اتضاح مشاركة فلسطينيين في هذه الأحداث، إمّا إلى جانب النظام، كما في أحداث مخيّم اليرموك العامَ الماضي عقب تشييع شهداء مسيرة العودة، وإمّا إلى جانب الانتفاضة السوريّة، تظاهرًا وإيواءً للفارّين وعلاجًا للجرحى. 4) دفع قيامُ إسرائيل قبل أسابيع بمجازرَ جديدةٍ في غزّة ناشطين سوريين إلى نشر صورٍ عن مجازر حمص وغزّة، مذيّلةً بشعارات مثل “دم حمص وغزّة واحد” و”اعذرينا يا غزّة يللي فينا مكفّينا”، أو من خلال نداءاتٍ إسرائيليّةٍ “متضامنةٍ” مع السوريين كالتي أطلقها (باللغة العربيّة) قبل أيّام رئيسُ الشاباك وعضوُ الكنيست، آفي دختر ؛ أو من خلال تفكير بعض الفنّانين الإسرائيليين (أركادي دوخين) في إقامة نشاطاتٍ غنائيّة يعود ريعُها لصالح المعارضة السوريّة.

خاتمة

من الطبيعيّ أن يَستلهم اللبنانيون والسوريون النموذجيْن التونسيّ والمصريّ للقيام بانتفاضاتهم ــ المتعثّرةِ في لبنان، والمتصاعدةِ الداميةِ المفتوحةِ على كلّ الاحتمالات في سوريا. ومن الطبيعيّ أن يفكّر المنتفضون، هنا وهناك، في التركيز على أولويّاتهم المحليّة واليوميّة المستديمة، ولاسيّما إذا كان الموقفُ القوميّ (والفلسطينيّ تحديدًا) غطاءً لممارسة الاستبداد الداخليّ. لكنّ ما ليس مضمونًا هو أن يكون تحريرُ فلسطين موجودًا على أجندة الثورات بعد نجاحها في الاستيلاء على الحكم. أحدُ أسباب ذلك يعود إلى أنّ القوى الإسلاميّة التي تتصدّر المشهدَ السياسيّ في معظم الحركات المنتفضة اليوم ليست كلّها ذاتَ تاريخٍ عريقٍ في دعم فلسطين. وفي هذا الصدد يَذْكر صقر أبو فخر أنّ مجملَ ما أرسله الإخوانُ المسلمون إلى فلسطين عام 1948، من أقطارٍ عربيّةٍ عديدةٍ، كان حوالى 400 عنصر فقط من مجموع مليون إخوانيّ في تلك الفترة! وأما اليوم فها هو أبو المنعم أبو الفتوح، زعيمُ الإخوان في مصر، وأحدُ المرشّحين الأساسيين لرئاسة مصر العتيدة، يقرّ، في حديث إلى القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيليّ، بوجود إسرائيل، ويطالب الفلسطينيين بالاعتراف بها، ويتعهّد باحترام اتفاقيّات كامب ديفيد. أما راشد الغنوشي، زعيمُ حزب النهضة الإسلاميّ في تونس، فينفي أن ينصّ الدستورُ التونسيّ على ما يمنع تونس من إقامة علاقات مع إسرائيل. وفي ليبيا ما بعد القذّافي، يتعهّد مصطفى عبد الجليل، رئيسُ المجلس الوطنيّ الانتقاليّ، بعلاقاتٍ وطيدةٍ بين ليبيا وإسرائيل. وتكاد كلمة “فلسطين”، كما يقول أبو فخر، “لا ترِدُ في مواقف معظم قادة هذه الانتفاضات إلا لمامًا، وبصورةٍ خجولة، أو في سياق الإجابة عن أسئلة الصحافيين”.

كلّ ذلك يحتّم على القوى المؤيّدة لتحرير فلسطين، وبخاصّةٍ في دول “الطوق” العربيّ، وبالأخصّ في لبنان وسوريا ومصر، ألاّ “تؤجّل” النضالَ من أجل القضيّة الفلسطينيّة، ولو في الحدودِ الدنيا التي تفرضها ظروفُ كلّ انتفاضة، بحيث لا يتمادى “البراغماتيون” و”الواقعيون” في تجاهل فلسطين إلى أبد الآبدين. نعم، ثمة معارضون اليوم يبتزّون المنتفضين العرب بـ “الحريّة” و”الديمقراطيّة” مثلما كانت بعضُ الأنظمة (وما تزال) تبتزّ المنتفضين باسم فلسطين!

منقول من موقع جدلية -17/5/2012-

التصنيفات : المقالات, الأخبـــــار

One Comment في “الانتفاضات العربيّة وفلسطين في المخيال السوريّ”

  1. hanin
    2012/05/21 في 21:18 #

    لا أريد الخوض في تقييم الحكومات التي تحكم الآن في الدول التي تحررت من الاستبداد،من حيث مدى وجود فلسطين في خطاباتهم ووعيهم لأهمية تلك القضية ومدى مركزيتها لديهم، ولكن أعتقد وجود فلسطين في ضمير المنتفض من أجل حريته موجود وبقوة، فلسطين موجودة في الشارع المنتفض على الرغم من قلة الشعارات التي تحمل ويظهر فيها دعم فلسطين إلا أن ذلك مرده لعدة أسباب أهمها بأن دعم فلسطين من البديهيات عند شعبنا، والمسلمات ورفع الشعار أو عدمه ليس دليلا على دعم أو عدمه، والشارع الذي انتفض على استبداد ظالم سينتفض مرة أخرى إن أتى نظام غيّر منهج سوريا الداعم لقضية فلسطين، أساسا الربيع العربي دعم قضية فلسطين بشكل أو بآخر، حتى قضية الأسرى الأبطال لم تكن لتأخذ صداها لولا أن العالم أجمع بات يعرف بأن زمن الصمت ولّى والمواطن العربي لم يعد كما كان خانع وراضي بذل بل الربيع العربي كان عبارة عن إعادة خلق إنسان جديد، تحت القصف واللجوء شعرنا بمدى ظلم لحق بأخوتنا الفلسطينيين، أما بخصوص أسماء الجمع فأرى بأنها تضر كثيرا بصورة الثورة المدنية، التي ننشدها، خاصة تلك التسميات التي تخص العصر الجاهلي فقط أو عصر الخلافة، وبعيدة كل البعد عن مدنية الحراك الثوري، مع استثناءات قليلة..تمنيت ولازلت أتمنى أن يحمل ثوارنا علم فلسطين في المظاهرات بدل أن تحمل أعلام تركيا وقطر وماشابه..أتمنى ذلك..أتمنى أن يترجم دعم فلسطين بالشعارات في المظاهرات لتكون ثقافة ثورتنا (ولكن كما قلت سابقا عدم رفع الشعار لا يعني عدم دعم)…

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

%d مدونون معجبون بهذه: