ملاحظات من قراءات في الحماية الدولية …د. هيثم مناع

تبنت القمة الدولية التي عقدت في نيويورك عام 2005، مفهوم ومطلب مبدأ “مسؤولية الحماية” Responsibility to protection ويختصر R2P والذي تبنته القمة بالإجماع.

يستند مفهوم ‘مسؤولية الحماية’ إلى عدة مبادئ متداخلة، أولها مسؤولية الدول في حماية مواطنيها ضد الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجريمة العدوان والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والأوبئة والجوع وغيرها من الكوارث. أما إذا واجهت الدولة صعوبات في توفير الحماية لمواطنيها بسبب العجز أو ضعف الإمكانيات أو غيرها، فإن من واجب المجتمع الدولي التدخل لمساعدة الدولة المعنية لبناء إمكانياتها الذاتية، الأمر الذي يعني بناء وسائل الإنذار المبكر للأزمات، التوسط في حالات الصراع بين أطرافه السياسية المختلفة، تعزيز ما يتعلق بالأمن الإنساني، تعبئة القوى المؤثرة باتجاه حماية الأشخاص والجماعات. وإذا رفضت الدولة المساعدة والتعاون، أو لم تنجح الجهود، فإن المسؤولية في الحماية تتحول إلى المجتمع الدولي الذي تقع على عاتقه مسؤولية توفير الحماية للمدنيين بكل وسيلة ممكنة، بما في ذلك التدخل العسكري المباشر. يعترض البعض على هذه النظرية مستندين على مبدأ هام من مبادئ القانون الدولي وهو مبدأ السيادة الكاملة والمتساوية لكل دولة من دول العالم على أراضيها ومواطنيها وعلى مبدأ عدم التدخل في الشئون الداخلية للدول، كما يتخوفون من أن يساء استخدام المبدأ بحيث يصبح ذريعة للتدخل في بعض الحالات دون أخرى وربما العمل على تغيير نظام أو آخر تحت حجة مسئولية الحماية خاصة وأن الحدود هلامية جدا في العديد من القراءات لأوضاع التدخل الفعلية. ويثير هؤلاء تساؤلات عدة حول المعايير التي يمكن استخدامها بموضوعية لتحديد ماهي الحالات التي يمكن أن يستثار بشأنها مبدأ مسئولية الحماية، وهل يمكن أن يستخدم هذا المبدأ لفرض وصاية دولية لصالح أقليات عرقية أو اثنية أو مذهبية، وكيف يمكن ضبط الانتقال بموجب هذه النظرية من مرحلة إلى أخرى وفق الأركان الثلاثة المشار إليها.

ولا شك أن هذه النقطة الأخيرة هي التي تثير أكبر قدر من الحساسية خاصة في دول العالم الثالث.

لم ترد الإشارة إلى التدخل العسكري في قرار قمة نيويورك عام 2005 ولكن مجلس الأمن أعاد تفسير الأمر في هذا الاتجاه في قرارات لاحقة. مهما يكن فإن المبادئ الأساسية التي يستند إليها مبدأ مسؤولية الحماية كانت إذا استثنينا التدخل العسكري- مضمنة أصلاً في مواثيق الأمم المتحدة والمعاهدات الدولية حول احترام حقوق الإنسان. حتى مبدأ التدخل العسكري كان مضمناً (بل ومنصوصاً عليه) عند منح مجلس الأمن صلاحية تشريع التدخل العسكري في حالة تهديد الأمن والسلم الدوليين. ومعروف أن الحرب العالمية الثانية التي مهدت لإنشاء الأمم المتحدة قد شنت تحت دعاوى حماية المدنيين والدول الضعيفة ضد الانتهاكات الجسيمة للحقوق الفردية والجماعية للشعوب.

أكد ميثاق الأمم المتحدة بقوة على سيادة الدول وحماية هذه السيادة ضد أي تغول. وهذا المبدأ يتعارض مع حق التدخل الخارجي تحت أي ذريعة سوى تهديد السلم والأمن الدوليين. ولكن ما حدث من انتهاكات في رواندا على سبيل المثال، أو في الشيشان، لا تعتبر من مهددات الأمن والسلم الدوليين. ومن هنا فإن مبدأ مسؤولية الحماية يتناقض بلا شك مع مبدأ قداسة سيادة الدول، وإن كان كلاهما مضمنين في مواثيق الأمم المتحدة. ولهذا سعت المنظمة إلى الحصول على تفويض جديد، أخذ هذه المرة صورة قرار إجماعي من قمة لكل رؤساء دول العالم، لكي تحسم هذه المسألة وتقول إن كل دول العالم تنازلت عملياً عن مبدأ قدسية السيادة في حال حدوث انتهاكات جسيمة وجماعية لحقوق المدنيين.

ومع ذلك فإن مناصري هذا المبدأ أكدوا مراراً إلى مبدأ مسؤولية الحماية لا يعني اللجوء تلقائياً إلى التدخل العسكري، وأن مثل هذا التدخل لا بد أن يكون الخيار الأخير، ولا يتم اللجوء إليه إلا بعد استنفاد كل السبل الأخرى. ويرى مؤيدو هذا المبدأ والمروجون له أن محور الاهتمام يجب أن يكون الوقاية لا العلاج. وهذا يعني استباق التدهور في الأوضاع الإنسانية في أي بلد مهدد عبر التحذير المبكر، واتخاذ الإجراءات الوقائية والاحتياطية. وتشمل هذه الإجراءات الاستباقية الإصلاحات السياسية التي تشمل توسيع المشاركة في السلطة وضمان الحريات، والإصلاحات الاقتصادية التي تشمل التنمية والعدالة الاجتماعية وتقديم المساعدات الاقتصادية والفنية للدول المتأثرة، ثم الإصلاحات القانونية التي تشمل ضمان حكم القانون واستقلال القضاء وحماية المجموعات الضعيفة، وأخيراً الإصلاحات العسكرية وتشمل إخضاع التشكيلات العسكرية لسيادة القانون والحكم المدني، والتدريب ونزع السلاح.

وينبغي كذلك للدول المعنية ومنظمات المجتمع المدني أن تطور آليات إنذار مبكر، وأن تنبه المجتمع الدولي وتطلب مساعدته لوقف أي تدهور متوقع في الوضع الإنساني. وعلى المجتمع الدولي تقديم كل العون الممكن في كل المجالات: سياسياً عبر الوساطة والتدخل للضغط على الاطراف المعنية، واقتصادياً بتقديم الدعم الاقتصادي أو الوعد به، وقانونياً عبر تقديم المعونة الفنية أو التدخل القضائي عبر المحاكم الدولية، وعسكرياً عبر النصح ونشر القوات احترازياً إذا دعت الضرورة.

ومن أجل إزالة المخاوف خاصة فيما يتعلق بالتدخل العسكري فإن قرارات ووثائق الأمم المتحدة تضمنت تطمينات بألا يتم تفعيل المبدأ إلا في الحالات التي تقع فيها (أو يخشى أن تقع) انتهاكات جسيمة لحقوق المدنيين، وأن تكون الأولوية للوقاية، ثم للوسائل السلمية والدبلوماسية لاحتواء الأزمة، وألا يقع أي تدخل عسكري إلا بعد استنفاد كل الوسائل الأخرى المتاحة، وألا يكون حجم التدخل متناسباً مع متطلبات الأزمة، وأن تكون إنهاء معاناة المدنيين هي الهدف الأوحد أو الأساسي من التدخل وليس أي أهداف أو مطامع أخرى. إضافة إلى ذلك فلا بد من أن تشرك المنظمات الاقليمية في قرار التدخل وأن يكون مجلس الأمن هو السلطة الوحيدة المخولة اتخاذ القرارات في هذا الشأن.

من الناحية العملية فإن تطبيقات مبدأ مسؤولية الحماية كانت محدودة. فمنذ أن أجاز مجلس الأمن المبدأ في قراره رقم 1674 الصادر في 28 نيسان (أبريل) عام 2006، فإن القرار الوحيد الذي صدر عن مجلس الأمن لتطبيق المبدأ كان القرار رقم 1706 في 31 آب (أغسطس ( 2006 لنشر قوات دولية في دارفور. وإذا كانت التدخلات السلمية في أزمات زيمبابوي وكينيا اعتبرت تفعيلاً للمبدأ، فإنها لم تبلغ مجلس الأمن. من جهة أخرى فإن دعوى روسيا بأنها كانت تفعل المبدأ في تدخلها في جورجيا الصيف الماضي تم الاحتجاج ضدها بالتشكيك بدوافع روسيا الحقيقية في التدخل، إضافة إلى عدم استنفاد كل الآليات السلمية وعدم تناسب حجم التدخل مع حجم المشكلة.

ما هي طبيعة المسؤولية المفترضة في مبدأ مسؤولية الحماية؟ حسب المبدأ، فإن السيادة ومسؤولية الحماية هما وجهان لعملة واحدة. مبدأ احترام سيادة الدول يستصحب مسؤولية هذه الدول عن حماية شعوبها، مما يعني أن فشل الدولة في التصدي لمسؤوليتها هذه يفقدها تلقائياً مزية السيادة.

ولعل أبرز مثال على ذلك ما حدث في العراق إبان الحصار، حيث نزعت من الدولة العراقية صلاحيات عدة، من أبرزها التحكم في اقتصادها، ولكن المجتمع الدولي لم يتدخل لتحمل المسؤولية عن رفاهية الشعب العراقي. وعليه عندما كان المسؤولون الغربيون يواجهون بتساؤلات حول تجويع العراقيين ونقص العناية الصحية هناك فإنهم يرددون باستمرار أن تلك مسؤولية الدولة العراقية. ولكن نفس هؤلاء المسؤولين كانوا يحرمون الدولة العراقية من الأدوات اللازمة لتحمل مسؤولياتها. نفس الشيء يمكن أن يقال عن غزة، حيث تقبل الأطراف الدولية والإقليمية مبدأ أن إسرائيل هي صاحبة السيادة في غزة، وعليه فإن من حقها التحكم في المعابر الخارجية والداخلية إليها. ولكن حين تسأل إسرائيل أو مصر عن معاناة الفلسطينيين فإنها تحيل إلى حماس باعتبارها المسؤولة عن غزة.

وهذه تشير إلى إشكالية أخرى في مبدأ مسؤولية الحماية وبقية المبادئ الدولية، وهو الانتقائية في التطبيق. لكن الحل لتقصير دولة معينة في أداء واجباتها تجاه مواطنيها ليس في تسليم أمر الشعب إلى جهة غير محددة لا تتحمل مسؤوليتها الكاملة تجاهه، وقد تكون لها دوافعها ومصالحها المعادية لذلك الشعب، أو على الأقل غير المبالية بأمره. فقد يحتاج الأمر قبل الحديث عن ‘المجتمع الدولي’ الذي تؤول إليه كفالة الشعوب اليتيمة، أن يتم إصلاح آليات العمل الدولي للتأكد من تحول الأمر إلى كفالة الذئب للشاة.

وبالطبع فإن الحل الأفضل والأمثل، كما يقول عبد الوهاب الأفندي، هو أن تتحرك الشعوب بنفسها لتتولى زمام أمرها، بحيث لا تصبح أمام الخيار بين كفالة ذئب محلي أو نمر أجنبي.

————————————-

•هيثم مناع : درس الطب والعلوم الاجتماعية والقانون، له أكثر من 35 كتابا، يرأس هيثم مناع المعهد الاسكندنافي لحقوق الإنسان وهو المتحدث باسم اللجنة العربية لحقوق الإنسان.

التصنيفات : أخبار الوطن, المقالات, الأخبـــــار

الكاتب:syr2015

صوت المعارضة السورية الصادق

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

%d مدونون معجبون بهذه: