رأي: حول “أصدقاء سوريا” وواجبنا تجاه شعبها

بعد اعلان غياب الصين و روسيا صار الجوّ خاليًا للامريكان والفرنسيين والأتراك وأذيالهم من أنظمة البترودولار لبلورة الموقف الذي يريدون اليوم في تونس. هذا ما بدأ يلوح من التسريبات الاخيرة التي صارت تتحدّث عن اعتراف بالمجلس الوطني السوري كممثّل شرعي للمعارضة السوريّة. ولا شكّ في ان وجود ماكين في تونس له علاقة بتسهيل تمرير هذا الموقف الذي كانت تعترض عليه الحكومة التونسيّة (الاعتراض الأهمّ كان من الرئيس المرزوقي الذي يصرّ على دور لهيئة التنسيق الوطنية الرافضة للتدخّل الأجنبي). حضور ماكين، الذي طالب مؤخّرا بتسليح المعارضة السورية، يتقاطع على الأرجح مع كلام كلينتون أمس في لندن وتلميحها الى امكانية تسليح المعارضة السوريّة.

غياب القوتيّن الحاميتين للنظام الاجرامي بدمشق يمثّل فشلا ذريعا للدور الذي حاولت، او ادّعت، الديبلوماسيّة التونسيّة لعبه عبر استضافتها للقاء. اذ هي بالتأكيد صارت عارية تماما أمام الضغوطات الغربية والخليجيّة بخصوص الموقف المطلوب في سوريا. وهو ما يعزّز الشكوك بوجود تباين جوهري بين رؤية المرزوقي ورؤية النهضة لهذا الملفّ. فالأوّل كحقوقي، متشبّث رغم ليبيراليته بخطوط حمراء في موضوع السيادة الوطنيّة، لا يقبل بما قد تقبل به النهضة. إذ من غير المستبعد انّ الأخيرة تنظر الى الموقف من سوريا كورقة ممكنة للمساومة مع الخليجيين والغربيين على مساعدات اقتصاديّة. ومن المتوقّع جدًا انّ يكون اللقاء الأخير بين الجبالي وملك السعودية – الذي لم يرشح عنه شيء في الاعلام – قد شهد مطالبة سعودية صريحة بتليين الموقف التونسي وتعديله على الموقف الغربي\الخليجي.

بكلّ الأحوال، هناك ثوابت يفرض الواقع المعقدّ والمنطق العقلاني على التونسيين حكومة ومعارضة وشعبا الالتزام بها بخصوص سوريا: ضرورة ايجاد حلّ عاجل لوقف سفك الدماء هناك. هذا الأمر أهمّ حاليًا من المطالبة بمحاسبة القتلة (تأجيل المحاسبة لا يعني التخلّي عنها). رفض التدخّل العسكري الأجنبي (وحتّى ان كان من أنظمة عربية موالية لامريكا وحلفائها) لانّ هدفه لن يكون غير تسهيل تنصيب نظام موالي، مهادن في أحسن الأحوال، لامريكا وحلفائها ومعاد لمقاومة اسرائيل. هذا ماجرى في يوغوسلافيا والعراق وافغانستان وليبيا وغيرها. رفض استفراد “المجلس الوطني السوري” بتمثيل الثائرين في سوريا، لانّ مواقف الأخير وتركيبته الهجينة تدلّ على أنّه مستعدّ لتقديم تنازلات كبيرة للامريكان وحلفائهم.

وبشكل أعمّ، صار من الضرورة مقاربة القضية السورية في سياق محاولات تحويل وجهة الحراك الثوري العربي نحو استقطاب طائفي سنّي شيعي، كمدخل لتبرير صراع اقليمي مع ايران. صراع لا يصبّ في مصلحة شعوبنا، لكن تدفع اليه أمريكا واسرائيل وحلفائهما من الأنظمة الرجعية التي تهدّدها الثورة.

كيف تتمّ ترجمة هذا الموقف عمليًا من الحكومة التونسيّة؟ عبر التشبّت بحلّ تكون أبرز ملامحه: ضرورة صياغة عنوان سوري معارض متوازن غير طائفي وغير مرتهن الارادة لـ”أصدقاء اسرائيل”؛ ضرورة الدفع نحو توافق دولي يأخذ بعين الاعتبار مصالح روسيا والصين؛ حلّ سياسي بين المعارضة والنظام شبيه بما جرى في اسبانيا اثر وفاة فرانكو: الانتقال الديمقراطي مقابل عدم المحاسبة- الى حين في الحالة السوريّة- (بالمناسبة هذا هو الحلّ الذي زكّته امريكا وحلفائها غربا وعربا في اليمن لانّ مصالحهم هناك اقتضت ذلك)؛ العمل على ارسال مراقبين من الدول الأكثر حيادًا (مثل البرازيل وجنوب افريقيا وتونس والجزائر والخ) يشرفون على وقف العنف وعلى مسار المفاوضات من أجل الانتقال الديمقراطي.

في انتظار ذلك، وفي ظلّ غياب بدائل ثوريّة عربيّة، سيبقى الشعب السوري الشهيد ضحيّة لخيار “عليّ وعلى شعبي” الذي انتهجه نظام سفّاح دمشق. وضحيّة أيضا لتصادم حسابات ميكيافيليّة لـ”غرب” (المقصود الدول ذات الاجندات الهيمنية في منطقتنا) لا تهمّه غير مصالح نخبه الحاكمة مع حسابات لا تقلّ ميكيافيليّة لقوى صاعدة منافسة له.

لكن للأسف لا يبدو انّ الإعتبارات أعلاه تشغل كثيرا بال الديبلوماسية التونسية. وحتّى ان فكّرت فيها، لا يبدو انّها مازالت قادرة على التعامل معها بنجاعة بعد عملية طرد السفير وبعد توّرطها في تنظيم هذا اللقاء الدولي غير المتوازن.

المشهد التونسي – رأي – غسان بن خليفة

التصنيفات : المقالات, الأخبـــــار

الكاتب:syr2015

صوت المعارضة السورية الصادق

2 تعليقان في “رأي: حول “أصدقاء سوريا” وواجبنا تجاه شعبها”

  1. luqman
    2012/02/25 في 00:10 #

    “بعد اعلان غياب الصين و روسيا صار الجوّ خاليًا للامريكان”
    و ما الذي منعهم من الحضور?
    أوليس ” الامريكان والفرنسيين والأتراك وأذيالهم من أنظمة البترودولار” هم أشرف من أصحاب فيتو القتل?

    • 2012/02/26 في 09:12 #

      ونحن نقول كلا .. انها الامبريالية الجديدة بقناع عربي خليجي تركي .. تتسلل الينا عبر مؤامرات وصفقات لا اوضع ولا اقذر .. ها انت تتحدث عن شرف من استخدم الفيتو 76 مرة لصالح اسرائيل وهي تذبح وتحرق شعبنا في فلسطين … ما شالله .. أهكذا هي ذاكرة العرب التاريخية بقصيرة وقاصرة عن رؤية المنطق والصواب ، لن يكون ما يأمل به ازلام الامبريالية ابدا ما دام هناك شيء اسمه هيئة التنسيق .

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

%d مدونون معجبون بهذه: