الطريق الى سورياستان!

عندما زار مهاتير محمد سورية بداية الخمسينات من القرن الماضي، تمنى أن يجعل من ماليزيا نسخة عنها، نظراً لما رآه في سورية من تقدم وتطور مقارنة بما كانت عليه حال ماليزيا في ظل الاحتلال البريطاني آنذاك. وفي ما بعد شارك مهاتير محمد الذي صار رئيساً لوزراء ماليزيا بدور مهم في النهضة الكبيرة التي شهدتها بلاده، والتي حققت تقدماً لا يمكن مقارنته بما هي عليه سورية بعد نحو ستين عاماً من زيارته الاولى اليها.

والسر في تقدم ماليزيا وتراجع سورية، يكمن في الظروف المختلفة التي عاش فيها البلدان. ففي الاولى توافرت نخبة ديموقراطية، تملك ارادة سياسية باتجاه التقدم مستغلة الامكانات القائمة والمتاحة بما فيها البشر باعتبارهم القوة المحركة والفاعلة في الحياة، فيما ابتليت الثانية بنخبة استبدادية، لم تتوافر لها ارادة التقدم، وأدى استبدادها الى هدر وتضييع الطاقات والامكانات بما فيها تلك الكامنة، وكان ذلك في جملة ظروف سورية، جعلتها لا تعجز عن التقدم فحسب، بل دفعتها للتراجع عن بعض جوانب التقدم التي كانت قائمة في الخمسينات.

وما يحصل اليوم، تعبير حي عن ظروف سورية التي لم تمنع التقدم فقط، بل تدفع للتراجع. ذلك ان سورية أمام تحديات ازمة سياسية اقتصادية واجتماعية، أدت الى انفجار حركة تظاهر واحتجاج بدأت أواسط آذار (مارس) الماضي في درعا، وبفعل عقلية النظام الاستبدادي/ الامني الذي لم ير في ما حصل سوى مشكلة امنية، ينبغي ان تعالج بالقمع والارهاب قتلاً وجرحاً واعتقالاً للمتظاهرين وغيرهم، مما جعل التظاهرات والاحتجاحات تمتد الى معظم المدن والقرى السورية، وانتقلت شعارات المتظاهرين من مطالب محددة الى المطالبة بإسقاط النظام، وهذا بين عوامل وسعت اطار الحل الامني/العسكري ليصير حرباً بالمعني الدقيق إزاء ما سمّي بالمسلحين وبالعصابات المسلحة، والمعني بها المتظاهرين وحواضنهم الاجتماعية في مدن وقرى سورية مختلفة، وهو ما يحصل في حمص وريف دمشق.

وإن كان من البديهي تأكيد خطورة ما يحصل من قتل وجرح واعتقال في ظل تلك الاعمال الحربية، ومن تدمير للممتلكات ووسائل عيش السوريين وقدرات بلادهم، وما يرتبه ذلك من أخطار على روح ووحدة الجماعة الوطنية بشراً وأرضاً، فإن في تفاصيل تلك الاخطار، احتمال الذهاب الى نموذج يشبه ما حصل في افغانستان وبعض من أخواتها مثل الصومال.

والطريق الى ما حصل في افغانستان والصومال، لم يكن في جوهره سوى وجود نظام استبدادي، يحتكر السلطة والثروة، وليس له من طريق في معالجة الازمات والمشاكل سوى القوة واستعمال السلاح، وسط عجز المجتمع الدولي او عدم رغبته في التدخل لمعالجة الوضع القائم… الامر الذي يدفع الى انشقاقات عمودية وأفقية في المجتمع والدولة بما للاثنين من طبيعة هشة ناتجة من الاستبداد واحتكار السلطة، ومما يزيد الاوضاع تأزماً، وجود تدخلات اقليمية وربما دولية، تكفي لاستمرار الازمة نتيجة مصالح جزئية ومحدودة في البلد، اضافة الى ما تفرزه تطورات الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية من فقر وجوع وتهميش، تدفع كلها الى ظهور العصابات المسلحة ومافيات الاسلحة والمخدرات وغيرها، وهكذا تتحول البلاد الى وحدات تتعدد تسمياتها، وتتوزع ما بين إمارات وإقطاعات ومحميات لكل منها هوية ما وسلطة تديرها، وفقاً لمصالح وأهواء القائمين على تلك الوحدات.

ان من شأن هذه التطورات، اذا حدثت كلها او قسم رئيس منها، أن تفرز حقائق سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية جديدة، لعل الابرز فيها من الناحيتين السياسية والاقتصادية، امران، اولهما، انقسام السلطات بين الوحدات، وتصارعها، وبالتالي صعوبة اعادة جمعها وتوحيدها بخاصة في ظل المصالح الجديدة والتدخلات الخارجية. وثانية الحقائق تتصل بالجانب الاقتصادي، وتتمثل في حدوث تحولات في البنى الاقتصادية، لا سيما في الانتقال من القطاعات الانتاجية الى الخدماتية، وقد ترافقه تحولات في مكانة القطاعات مثل زيادة مكانة الاقتصادات الهامشية وظهور قطاعات جديدة بينها تجارة المخدرات، اضافة الى التبدلات في مساهمة السكان في القطاعات المختلفة.

اما اهم الحقائق التي تفرزها التطورات في الجانب الاجتماعي، فتبدو في متغيرات، تصيب الطبقات والفئات الاجتماعية ووظائفها. ففي ظل هذه التطورات تضعف مكانة الطبقات التقليدية لمصلحة فئات جديدة اغلبها من قادة المليشيات المسلحة وكوادرها الذين يحلون مكان الزعامات التقليدية، وقد يحصل تزاوج بين الاثنتين في بعض الحالات.

وفي كل الحالات، فإن التغييرات التي تصيب الثقافة ونتاجاتها في ظل الواقع الجديد، تكون شديدة الخطورة، اذ تنحدر مكانة الثقافة الى ادنى مستويات الاهتمام، وتصير رموزها خارج الحيز الاجتماعي، كما ان نتاجاتها تصير قليلة وسطحية ولا معنى جدياً لها، وحتى في الحالات التي تتكرس فيها فعاليات وأنشطة ثقافية، فإنها تأخذ مسارها في تكريس الانقسامات، وخدمة البنى ما دون الوطنية وبخاصة البنى الطائفية والاقليمية والعشائرية.

ان مخاوف استمرار استخدام القوة الحربية المفرطة في معالجة الازمة في سورية بديلاً عن الحلول السياسية، وما يمكن ان ينجم عنها، تضع سورية امام الذهاب الى مصير يتقارب مع مصائر افغانستان والصومال. انه خطر يمكن ان يجعل كياناً مستقراً في نظام سياسي، وشعب مستقر منذ نحو تسعين عاماً في مهب الريح.

الحياة
فايز سارة *

* كاتب سوري

التصنيفات : المقالات

الكاتب:syr2015

صوت المعارضة السورية الصادق

2 تعليقان في “الطريق الى سورياستان!”

  1. عمرو
    2012/02/23 في 09:53 #

    حقيقة إن السيد فايز سارة في مقاله هذا إنما يردد ما يقوله النظام الدموي الشبيحي الأسدي البعثي و كذا هيئة التنسيق بأن سوريا بسبب هذه الثورة لابد ذاهبة إلى دولة شبيهة بدولة أفغانستان دولة ميليشيات فقط و أن الوحدة الوطنية معرضة للخطر و أنها ذاهبة إلى الحرب الطائفية أنتم كالنظام ترددون هذا الكلام و فقط من اليوم الأول لعمر الثورة كماردد من اليوم الأول أيضا السيد مناع بأن في سوريا جماعات مسلحة و بأن دولا عرضت عليه تسليح الثوار و لكنه رفض و قال ذلك على قناة الجزيرة في قطر و هذا الكلام ردده السيد مناع حتى قبل أن يردده النظام
    إنكم يا سيدي مثل النظام دائمي التخويف من الاسلام و التطرف الاسلامي و من شعارات الثورة بأنها شعارات تسعى لأسلمة الثورة مع انها ثورة لكل السوريين .
    إن كنتم يا سيدي لا تريدون لهذه الثورة من أسلمة مظهرها الخارجي عليكم ألا تدعو الساحة الداخلية و أنتم تتدعون زورا أنكم ممثلوا المعارضة الداخلية و ألا تدعوا المظاهرات بيد الشباب الاسلاميين المتطرفين حسب قولكم ( هل عبد الباسط الساروت متطرف إسلامي , هل شعار واحد واحد واحد الشعب السوري واحد شعار اسلامي , هل شعار الله أكبر أو يا الله مالنا غيرك يا الله شعار إسلامي متطرف ) أرجو أن تكونوا عقلانيين قليلا
    أنتم تنظرون علينا منذ أحد عشر شهرا بأن حل الأزمة السورية لابد أن يكون حلا سياسيا و النظام قالها لكم و للعالم بالفم الملئان ألا حل سياسي و أن الخيار الأمني خيار وطني و الشعب يريد هذا الخيار و أنتم ما تزالون ترددون هذا الخيار رغم فشله بشكل ذؤيع
    أرجو منكم و بعد أحد عشر شهرا ألا تتهموا الجيش السوري الحر بأنه يأخذ البلاد نحو دولة ميليشيات أو نحو ذلك لأنه رفع سلاحه بوجه من يقتل شعبه و أنتم حتى اللحظة ما تزالون ضده و بأنكم تريدون الحفاظ على مؤسسة الجيش و مؤسسة الأمن لأنها مؤسسات الدولة مع أن هذه المؤسسات هي أهم من يقتل الشعب و هي مؤسسات للأسد و ليست للشعب السوري
    الحل الأمني و العسكري للنظام الشبيحي الطائفي المجرم يأخذ البلاد إلى حرب أهلية أو حرب طائفية نعم هذا صحيح و لكن طائفية الحرب بين الشعب و نظام المجرم ه يحرب بين طائفتين طائفة السوريين الثوار و طائفة المنحبكجية و الشبيحة و جماعة المجرم هاتان الطائفتان لا يمكن أن يجلسا على طاولة واحدة مستديرة لأن الحوار مع الطرفين متناقض في الظروف الحالية
    إن كنتم يا سيدي لا تريدون أسلمة الثورة حسب ادعائكم عليكم أن تدعو كافة أفراد الطوائف السورية للخروج في مظاهرات ضد النظام و أن على الفئة الصامتة و التي غالبا هي ليست مع النظام و لكنكم أخفتموها من بعبع الاسلاميين و المتطرفين ( أنتمن بالنسبة لكم حتى من يذهب للصلاة أو يطلق لحيته أو يلتزم بدينه هو متطرف إسلامي ) عليكم أن تدفعوهم للخروج في المظاهرات و أن يشاركوا بفاعلية أكبر في الحراك الثورة و ألا تكتفوا بالذهاب إلى روسيا و الصين و ايران لشكرهم على مواقفهم من الثورة المباركة

    • 2012/02/24 في 06:17 #

      الغريب أخ عمرو أن كل ما دعوتنا لأن نقوم به قمنا وما زلنا نقوم به في السر والعلن ، أما اذا كان الغرض من مشاركتك هو فقط التأنيب المجاني فهذا شيء آخر .. المقال يعبر عن رأي كاتبه هذا أولا ، ثانيا حقيقة أن الثورة في بعض المواقع انحرفت فعلا عن مسارها هو أمر أيضا يعرفه القاصي والداني وعرضه ومناقشته لا يجب أن يستدعي غضب أحد من الناس اذا كنا نؤمن فعلا بأخلاقيات الثورة واحترام الراي الآخر .. الطبقة الصامتة ابتعدت لأسباب كثيرة عن المشاركة بالثورة أخي الكريم ولا نحمل هذه المسؤولية فقط للناس التي لجأت للطائفة أو للعنف بل المسؤولية الأولى والأخيرة بالتأكيد تقع على النظام ، وظيفتننا ألا نسهل ذلك على النظام من خلال تنفيذ ما يريده لتخويف الناس وكبحها عن المشاركة بل بالتمسك بالمباديء الأولى للثورة وأخلاقياتها.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

%d مدونون معجبون بهذه: