هُنا دمشق.. لا يسقطُ النظام ولا تنطفئ شُعلة «الثورة»!

تماماً كشجرة «النارنج» في فناء البيت الدمشقي القديم، تحاول دمشق أن تُثْبتَ ولَو بصعوبة بالغة أنّ دورة الحياة فيها مستمرة بشكل طبيعي، وأن لا شيء قادرا على سرقة الخضرة من وجهها البهيّ!

عند نقطة الحدود اللبنانية السورية، عبورٌ سَلِسٌ وهادئ برغم التدقيق الإضافي في عمليات التفتيش، والانخفاض الملحوظ في عدد المغادرين من لبنان إلى سوريا.
على الطريق، لا تزال صور الرئيس السوري بشار الأسد في مكانها، وقد ذُيّلت بعبارات من قبيل: «أنا أؤمن بسوريا»، و«سوريا أدرى ببشارها». مواقع عسكرية في حالة تأهّب، وعبارات «مؤيّدة» منقوشة في الصخر عمرها من عمر النظام، وحركة سير خفيفة في الاتجاهين.
«الزبداني» ترحّب بكم. لا ينعطف السائق في الاتجاه الذي يقود إلى المصيف الشهير الذي خرَج لأسابيعَ خلَت عن سيطرة الجيش السوري. يتابع سيره سريعاً نحو دمشق. على الجهة الأخرى من الطريق آلياتٌ ومدرّعات عسكرية ربما كانت عائدة من مهمّة «تنظيف» في إحدى مدن ريف دمشق.
هنا دمشق.. لستُ أدري ما إذا كانت المدينة جميلةً إلى هذا الحد تحت المطر، أم إن المطر يصبح وقعُه أجمل في شوارعها وساحاتها وفوق سطوح منازلها؟!
باردٌ شتاء دمشق وقاسٍ هذا العام، كما صقيع الأزمة التي تلف سوريا من أقصاها إلى أقصاها. فالمدينة لا تزال تعيش هاجس التفجيرات الدموية قبل أسابيع، وكلّ شيء فيها يدعو للحذر والقلق. الوجوه والناس والعابرون والصفوف الطويلة أمام محطات البنزين. حتّى الازدحام المروري في الساحات العامة يبدو مخادعاً أحياناً.
في السيّارة «الصفراء»، كان «أبو خالد» غاضباً ومتوتّراً في ذلك الصباح الماطر. يقول: «أُنظرْ إلى أرقام القتلى والجرحى والمفقودين». يشير إلى العدّاد الرقمي المثبت بالقرب من المقوَد، في دلالة على الارتفاع المضطرد لعدد الضحايا لا سيما في حمص. يضيف: «لم يكن العنف والقمع حلاً في يوم من الأيام ولن يكون..»!
في «تاكسي» آخر، يسجّل «نورس»، الشاب الثلاثيني، عتباً «أخوياً» على النظام. يعتبر أن هذا الأخير أخطأ في معالجة المشكلة منذ اللحظة الأولى لأحداث درعا، ليؤكد لاحقاً أن «آل الأسد أفضل من غيرهم، وهم وحدهم القادرون على إنقاذ البلد».
من «ساحة المرجة» إلى «شارع الثورة» مروراً بـ«شارع بغداد» نحو «ساحة باب توما»، يصحبُنا صوتُ فيروز التي غنّت لدمشق كما لم تغنِّ لأيّ عاصمةٍ عربية أخرى. حان موعد نشرة الأخبار على إذاعة «شام أف أم»: الفيتو الروسي وبشّار الجعفري، ومواجهات حمص وريف دمشق، ونفي شائعات عن تلوث مياه «عين الفيجة» التي تغذّي دمشق.. يتفاعل السائق مع الحدث ليعلن «ولاءه المطلق للسيد الرئيس» ويقول بثقة: «كل شيء سيعود على ما يرام قريباً».
إلى «الميدان» دُر. الروائح المنبعثة من المطاعم ومحال الحلويات في كل مكان تفتح الشهيّة على الأكل، وعلى الكلام أيضاً. يشير السائق إلى مكان التفجير الدموي، وإلى «جامع الدّقاق» الذي «شهد وغيره من الأماكن نواة ثورة حاولوا إجهاضها، ولكنها ستنبعث مجدداً ولو بعد حين». يقول بأسى بالغ: «ما نشهده اليوم هو نتيجة 40 عاماً من حكم البعث وليس نتيجة لمؤامرة يُروّجون لها لتغطية جرائمهم»! يضيف: «أُنظرْ إلى هذا الشعار المرفوع (قائدنا إلى الأبد الرئيس حافظ الأسد). لا شيء سيدوم»! ليس تفصيلاً أن يجهر أحدهم بمثل هذا الكلام في قلب دمشق. وكلامٌ من هذا القبيل كان يُعدّ حتى أشهر قليلة من صنف المحظورات (وما أكثرها)!
في منطقة السُور القديم في قلب العاصمة السورية، يكتشف المرء مُتعةَ أن يضيع في الحارات والأزقّة التي تقود إلى أزقّة لا نهاية لها. هناك بين «القيمرية» و«باب توما» و«باب شرقي» تزدهر الفنادق والمطاعم والمقاهي ذات الطابع التراثي. لا تهدأ الحارات ليلاً. الموسيقى والناس والأسواق والعشّاق أيضاً. ببساطة: لا أثَر للثورة هنا!
يشير صاحب أحد هذه الفنادق إلى موعد افتتاح الفندق (10/3/2011) أي قبل اندلاع شرارة «الثورة» بأيام قليلة: «كان توقيتاً سيّئاً بالنسبة لنا، ولكننا برغم كل شيء متفائلون بانفراجٍ للأوضاع مع حلول الصيف المقبل».
في الفندق نفسه، تسترق فتاةٌ جميلة نظرة خاطفةً إلى أحدهم قبل أن تهمّ بالدخول إلى غرفتها. «الشيف» أم البير تؤدي عملها بكثير من الحب والإبداع. ومجموعة من الطلاب الجامعيين قدموا من حمص لتأدية امتحاناتهم في دمشق بعد انهيار الأوضاع هناك…
خلفَ الجامع الأموي مباشرة، وداخل مقهى «النوفرة» الشهير ترتفع صورة كبيرة للرئيس الأسد. «عجقة» ناس (وأنفاس) من أجيال مختلفة. يحضر على الكراسي العتيق كل شيء: الحسم العسكري، وروسيا، و«معارك التوك شو» الإعلامية، والجامعة العربية وبرهان غليون، حادثة بورسعيد الكرويّة الأليمة، برشلونة وميسّي أيضاً..
الثامنة مساء في سوق الحميدية. موعد التقنين الكهربائي (ساعة واحدة ليلاً). لا صوتَ يعلو فوق صوت المولّدات الكهربائية، وهذه علامة أخرى من علامات الأزمة في سوريا اليوم. الحركة في أسواق دمشق لا تتوقّف، برغم أن المتاجر أخذت تقفل أبوابها في وقت مبكر نسبياً قياساً بالسابق. تُجار دمشق (الكبار) يعرفون أن موقفهم مؤثّرٌ جداً في مستقبل النظام في سوريا. برأي الأكثرية منهم أن «النظام الحالي يجب أن يعطى فرصة لإحداث التغيير والإصلاح الضروريين»!
كثيرٌ من المفارقات يمكنُ تسجيلها في دمشق هذه الأيام وفي غير اتجاه. ولكن للحقيقة ثمّة ما هو أساسي هنا: أن تقومَ بالتجوال (على سبيل الفضول لا أكثر) بعد الثانية عشرة ليلاً في مناطق كالصّالحية وركن الدين والقابون والمزّة وكفرسوسة وسواها من دون أن تلحظ أيّ أثر لوجود عسكري أو أمني ظاهر، فهذا يعني أن النظام يمتلك من القوّة القدر الكافي لفرض الأمن والاستقرار (حتى الآن!) في دمشق.
في المقهى وقريباً من «ساحة الأمويين» يندلع نقاش حاد بين شاب وصديقته. اختلافٌ في التوصيف وفي تحميل مسؤولية العنف الحاصل، واتفاق على» صعوبة إسقاط النظام راهناً وصعوبة إطفاء جذوة الثورة أيضاً». في المكان ذاته لا شيء يضاهي رقّة الابتسامة التي رسمتها الفتاة في وجه محدِّثها. قليلٌ من الشاي الأخضر وكثيرٌ من الحديث الودّي جداً..
مجدّداً على الطريق الدولية من دمشـق إلى بيروت. في الســيارة مواطنٌ من حمص التي اشتاق إليها كثيراً، وآخرٌ من درعا «مهد الثورة» والسائقُ وأنا. كنّا مأخوذين جميعاً بصوت فيروز تغنّي»أنا خوفي من عتم الليل»، وكأنّها كانت تحاكي الخوف السوري الموزّع في غير اتّجاه. الخوف من فقدان نعمة الأمان، والخوف من الثورة (عند البعض) والخوف على الثورة (لدى البعض الآخر) والخوف من العتمة التي تسلّلت إلى نفوس البعض هنا وهناك..
جميلةٌ هي دمشق وآسرة، حتّى في أيّام حزنها. هكذا بدت الشام ذات «ربيعٍ عربي»!

فراس خليفة
14/02/2012

عن شباب السفير


التصنيفات : المقالات

الكاتب:syr2015

صوت المعارضة السورية الصادق

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

%d مدونون معجبون بهذه: