ربيع عربي قد لا يزهر ديمقراطية

الشعوب تفاجأت بأنها أسقطت الاستبداد السياسي من العروش وأبقت على الاستبداد الثقافي في النفوس

حين اندلعت ثورة الياسمين في تونس وتبعتها ثورة الفل في مصر، اعتقد العالم أن المنطقة العربية تعيش مفصلا تاريخيا سينقل الشعوب من حقبة الاستبداد السياسي والنظام الأولغارشي إلى عهد الديمقراطية والحرية والمساواة، حيث يكون الشعب سيد نفسه وقراراته.

وشدت المنطقة العربية انتباه العالم وما زالت بفعل الأحداث المتسارعة التي فاجأت الأنظمة ومعاهد الدراسة والبحوث التي لم تكن تتوقع حدوثها، إذ تنوعت الأساليب التي اعتمدتها الشعوب في مقاومة الاستبداد، بين ثورات سلمية وأخرى فرضت عليها أنظمتها الحاكمة أن تصبح مسلحة. وحين أفلحت الشعوب الثائرة في إسقاط الأنظمة المستبدة بعد عقود من الحكم، تفاجأت الشعوب نفسها بأنها أسقطت الاستبداد السياسي من العروش، وأبقت على الاستبداد الثقافي في النفوس، فالأخير أخطر أنواع الاستبداد، لأنه ليس مرهونا بقرار سياسي أو إداري أو تدخل عسكري، بل هو متمكن من النفوس والأذهان يتطلب اجتثاثه ثورة ثقافية على مدى أجيال، فداخل كل منا حاكم مستبد وطاغية جبار لا يريد أن يُعصى له أمر أو يُرفض له طلب. وما أن تتاح له أدنى فرصة لممارسة استبداده حتى يتحول إلى مستبد أيا كان وضعه الإداري ولو موظفا بسيطا. ولعل الموظف الذي يحتل الرتب الدنيا يكون أكثر استبدادا من الذي يعلوه درجة، وهكذا . بل إن المواطن العادي يمارس الاستبداد ضد غيره بقصد أو بدونه. وما نشهده من أحداث في الدول التي عرفت ثورات وأسقطت أنظمة الاستبداد التي كانت تكتم أنفاسها يؤكد أن الاستبداد ثقافة وليس سلطة. ويمكن الاستدلال بالأمثلة التالية:
1 – ما تعرفه مصر «الثورة» من أحداث عنف دامية منذ الإطاحة بالرئيس مبارك، إذ لا يخلو شهر من أحداث تهز استقرار مصر وتدفع الوطن إلى المجهول. قد يكون لأعمال العنف ضد النظام البائد ما يبررها طالما ظل رأس النظام متمسكا بالسلطة؛ أما وقد انهار النظام واعتقل رأسه وتجري محاكمته وأعوانه فلن يكون لأعمال العنف من مبرر ولا مسوغ سوى انفلات المستبد الصغير الكامن في كل مواطن تشبع بثقافة الاستبداد واستمد منها معنى وجوده الفردي.
وعبثا حاول بعض المسؤولين المصريين تفسير أعمال العنف بوجود «عناصر مدسوسة» وتحميل «فلول النظام السابق» المسؤولية عنها في كل مرة، فقد اتهم الدكتور كمال الجنزوري، رئيس مجلس الوزراء، من وصفها بـ«عناصر مدسوسة». وقال خلال مؤتمر صحافي إن «هناك عناصر مدسوسة أطلقت الرصاص» خلال المواجهة بين الشرطة والمتظاهرين في شهر شتنبر الماضي لما حاولوا اقتحام مجلسي النواب والوزراء، بل امتدت أيديهم بالنيران إلى مبنى هيأة الطرق والكباري في شارع قصر العيني، ثم المجمع العلمي المصري المقام منذ 1798 والذي يضم أزيد من 200 ألف كتاب تجسد تاريخ مصر وتراثها. فحتى النظام بكل ما عُرف عنه من استبداد حافظ على كنوز المجمّع ولم يتلفها وفعلتها «فلول» الثورة ضد صرح تاريخي يمثل التراث لا النظام. أما الأحداث الدامية التي اندلعت من مدينة بور سعيد، فتؤذن بأن مصر تواجه فعلا المجهول وتُدفع نحوه دفعا. فمن قام بهذه الأعمال الإجرامية كانوا جزءا من الثورة ضد نظام مبارك، وأقصد بهم «التراس»، الذين سبق أن قاموا بدور كبير في تنظيم وقيادة الدفاع عن ميدان التحرير ضد قوى الأمن، وبلطجية النظام السابق . لقد شاركوا في الثورة ودافعوا عنها وحموها، وها هم يغتالونها بأيديهم التي حملت السيوف والسكاكين والزجاجات الحارقة، ليس ضد فلول النظام وبلطجيته، بل ضد مواطنين عزل  قبل أن يتدخل الأمن. ولا شك أن عدد القتلى والمفقودين يعكس هول الكارثة.
2 – تونس التي تعتبر مهد الربيع العربي لا تخلو بدورها من أحداث قد تهدد الاستقرار الوطني إذا لم تتعامل معها الحكومة بالمزاوجة بين الحكمة والحزم. فالثورة التي أسقطت نظاما مستبدا فتحت المجال للنزعات الاستبدادية لدى أطراف عديدة داخل الحكومة وخارجها، بين صفوف  الثوار وعلى هوامشهم. وكانت آخر النزعات ما جاء في  تصريحات الصادق شورو، القيادي البارز في حركة النهضة، خلال مداخلته يوم الاثنين 23 يناير الماضي أمام المجلس التأسيسي متهما المتظاهرين ومهددا إياهم بأن من «يقطع الطرقات والسكك الحديدية ويشلّ عمل المصانع والمناجم ويشعل النار في المرافق العمومية في تونس خلال الأشهر الأخيرة هم جيوب الردة التي تسعى في الأرض فسادا» واستشهد بالآية التي تتضمن حد الحرابة. هذا التصريح أثار وابلا من الردود من المدافعين عن حقوق الإنسان والمعارضة. واتهمت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان شورو بـ «التحريض على العنف والقتل والنفي».
كما شهدت تونس مظاهرات ضد العنف المادي والمعنوي الذي يمارسه التيار السلفي ضد خصومه، وكان آخره حادث الاعتداء على  الصحافي زياد كريشان والمفكر حمادي الرديسي والمحامية سعيدة قراش أمام المحكمة الابتدائية في تونس العاصمة، خلال البت في قضية بيرس بوليس، الفيلم المثير للجدل الذي بثته قناة نسمة تي في. وهتف المتظاهرون رافعين شعارات منها «خبز وماء والنهضة لا» و«تونس دولة مدنية وليست سلفية»، و«تونس حرية وأمان ولن تكون تونستان»،

و”لا لحية لا نقاب، تونس حرة يا شباب” و”تونس دولة حرة والنهضة على بره” و”تونس دولة مدنية لا عنف ولا رجعية”.
3 – ليبيا التي تميزت ثورتها بالتدخل العسكري لحلف الناتو من أجل مساعدة الثوار على إسقاط نظام القذافي، كان من المفروض أن تؤسس لتجربة جديدة تقطع مع أساليب النظام المنهار، وتفتح صفحة جديدة تلملم الجراح وتطوي المآسي التي أحدثها القذافي في النسيج الاجتماعي للمجتمع الليبي، لكن التقارير الصادرة عن الهيآت الحقوقية والمنظمات الإنسانية تؤكد أن الثوار يمارسون أشد أنواع الاستبداد والتعذيب ضد الليبيين بشبهة التعاون مع نظام القذافي، بل إن الثوار أنفسهم يمارسون يوميا الترهيب والاختطاف في صفوف المواطنين دون حسيب ولا رقيب. وتحولت أسلحة الثوار  إلى نحور بعضهم البعض، فبات الاستقرار في كف عفريت، إذ تواجه الحكومة الانتقالية صعوبة في فرض سلطتها حتى على طرابلس، التي تسيطر على شوارعها ميليشيات من مناطق مختلفة  لا تخضع لأجهزة الأمن الحكومية، وإنما  أفرادها يطيعون قادة الميلشيات. وهذا الوضع الأمني المنفلت جعل الدكتور مصطفى عبد الجليل، رئيس المجلس الانتقالي الليبي، يحذر من انجرار الليبيين إلى حرب أهلية؛ كما جعل الخبير في الشؤون الليبية في منظمة هيومن رايتس ووتش لمراقبة حقوق الإنسان فريد ابرهامز يؤكد أن حجم التحديات التي تواجه ليبيا تجعل مهمة إسقاط القذافي أسهل من إقامة حكومة تمثيلية وشفافة تحل محله.
نحن، إذن، أمام مفارقة عجيبة وغريبة تتمثل في أن الثورات قامت ضد الاستبداد لتفتح المجال أمام نزعات أخرى للاستبداد قد تكون أشد وأخطر مما سبق إسقاطه، وما محاكمة عادل إمام والحكم عليه بالسجن ثلاثة أشهر إلا مقدمة لشر مستطير إذا لم تتحرك هيآت المجتمع المدني لوقف الانحراف وتقويم المسار.

أستاذ باحث بقلم :سعيد الكحل

جريدة الصباح

التصنيفات : المقالات, الأخبـــــار

الكاتب:syr2015

صوت المعارضة السورية الصادق

One Comment في “ربيع عربي قد لا يزهر ديمقراطية”

  1. عبد الحميد عبدالله
    2012/02/09 في 03:31 #

    هذا المقال عجيب .. كأنه يقول : أنتم بلا أمل و لا بدّ من الدكتاتورية !!!
    إذن لماذا الثورة و الضحايا ؟ !!!!
    مجتمع مفصل على مقاس الأخوان و الجهلة و بعض المحتالين .

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

%d مدونون معجبون بهذه: