تاريخ الحوار السوري بين السلطة والمعارضة

 

أعلنت مصادر رسمية روسية، أن السلطات السورية وافقت على إجراء حوار “غير رسمي” في موسكو، بين هذه السلطة وبين المعارضة، وأن الدبلوماسية الروسية ستتواصل مع فئات المعارضة السورية لإقناعها بالمشاركة في هذا الحوار.

وبالفعل اتصل السفير الروسي المعتمد في دمشق مع هيئة التنسيق الوطني (المعارضة الداخلية)، وطلب منها الموافقة على مبدأ عقد الحوار والمشاركة فيه، ويبدو أن روسيا قدمت عروضاً مماثلة للمجلس الوطني السوري (المعارضة الخارجية). ولوحظ أن هذا الإعلان جاء قبل يوم واحد من تداول مجلس الأمن الدولي في الأزمة السورية، من خلال ما سمي بالمبادرة الأوروبية ـ العربية.

لم يصدر نفي سوري رسمي للإعلان الروسي، ما يؤكد موافقة السلطة السورية على هذا المقترح، وبالتالي على إجراء حوار مع فئات المعارضة المختلفة ولأول مرة، بينما رفضت أطياف المعارضة السورية هذا المقترح فوراً، واشترطت أن يتنحى الرئيس بشار الأسد أولاً، ثم يمكن بعدها أن يجري الحوار للاتفاق على المرحلة الانتقالية، وصار على الروس طي هذه الصفحة، حتى قبل أن يعقد مجلس الأمن الدولي جلسته المقررة.

لقصة الحوار بين السلطة والمعارضة في سوريا تاريخ طويل يعود لسبعينات القرن الماضي، حيث كانت تيارات المعارضة السورية وأحزابها تقترح دائماً إجراء مثل هذا الحوار، وكانت السلطة ترفض دائماً أيضاً وبإصرار ودون تردد، إلى أن انطلقت الانتفاضة السورية في منتصف شهر مارس الماضي، فتغيرت المعطيات والشروط والوقائع، وطبيعة العلاقة بين السلطة والمعارضة وفئات الشعب المختلفة.

منذ الأسبوع الأول للانتفاضة، قالت المعارضة إن نضوج ظروف التغيير هي التي أدت لانطلاقها، وإنها تعبير عن أزمة حقيقية وعميقة، وإن حل هذه الأزمة يقتضي عقد مؤتمر وطني يضم السلطة وأطراف المعارضة وممثلي الفئات الشعبية المختلفة، ليناقش المرحلة التي توصلت إليها البلاد، والظروف القائمة، وخاصة المطالبة بالحريات والديمقراطية وتحقيق المساواة وتكافؤ الفرص وفصل السلطات وغيرها..

أي الاتفاق على وسائل تحويل الدولة إلى دولة ديمقراطية تعددية تداولية. ورأت أن انطلاقة الانتفاضة ما هي إلا فعل سياسي يهدف لتحقيق أهداف سياسية، ووسيلته حراك شعبي سلمي،.

بينما رأت السلطة منذ الأسبوع الأول أيضاً، أن هذه الانتفاضة هي تمرد على السلطة، ليست له أهداف سياسية، يحركه مندسون وعصابات مسلحة وسلفيون وقوى خارجية، وأوحت السلطة أن المنتفضين يتلقون سلاحاً وأموالاً، ولأن الفعل فعل عصابات ومتآمرين، فلا يمكن الحوار حوله ولا يكون علاجه إلا بأسلوب واحد هو العنف، والحل الأمني. وفي الخلاصة رفضت السلطة عقد أي حوار مع المعارضة، لا على شكل مؤتمر وطني، ولا على شكل حوار ثنائي، ولا على أي شكل آخر، واستمرت في ممارسة الحل الأمني العنفي.

كانت فئات المعارضة السورية تجدد اقتراح الحوار في كل شهر تقريباً، وكانت السلطة ترفض، والانتفاضة تتسع وتتعمق والقمع يزداد، والحل الأمني يولد حلولاً من صلبه ومن نوعه، كالاعتقال والتعذيب والمصادرة وإحراق البيوت وغيرها، وتحولت الانتفاضة إلى ثورة، ومع ذلك استمرت المعارضة تقترح الحوار والسلطة ترفض.

وبعد بلوغ الأزمة درجات متقدمة من التعقيد، ومضي عدة أشهر دون أن يستطيع الحل الأمني إنهاء الحراك الشعبي، عرضت السلطة إجراء حوار مع شخصيات معارضة، وليس مع تيارات سياسية معارضة، أي أنها أرادت أن تحاور أفراداً فقط، لأنها لا تعترف بالمعارضة كأحزاب أو تيارات.

وقد رفضت الشخصيات المعارضة المشاركة في أي حوار مع السلطة، إلا إذا قبلت حضورها كتيارات سياسية معترف بها، والاتفاق على برنامج حوار يدور حول كيفية تحويل الدولة إلى دولة ديمقراطية، وإقرار الأسس الجديدة لهذه الدولة ولحكومتها وسلطاتها، بينما كانت السلطة ترغب في أن يدور الحوار حول قضايا مطلبية تتعلق بحياة الناس اليومية (طرقات، مدارس، مستشفيات..الخ)، ومع شخصيات لا أحزاب.

وفشلت في النهاية الدعوة للحوار، وبقي كل من الطرفين في مكانه، دون التوصل إلى أية تسوية، كما استمرت السلطة في اتباع حلها الأمني، مع زيادة العنف وتوسيع جبهات المواجهة، وقد أضاعت السلطة بذلك، ومرة جديدة، فرصة إجراء حوار مع المعارضة ومع فئات الشعب السوري، وصولاً إلى حل للأزمة التي زادت استعصاء.

كما رفضت السلطة فرصاً أخرى لإجراء حوار، بعضها اقترحته فئات من الداخل، وبعضها بلدان عربية أو أجنبية، والبعض الثالث جامعة الدول العربية، وأصرت على متابعة حلها الأمني، مفترضة أنه سيجلب لها الترياق، وسيقضي على الحراك الشعبي ويعيد الأمور إلى ما كانت عليه.

كلما مر الزمن، كان الحراك الشعبي يكسب كل يوم أرضاً جديدة، والمعارضة السورية يصلب عودها (رغم عدم توحدها)، والحل الأمني يزداد عنفاً ودموية، وبالتالي فإن شروط المعارضة للحوار كانت تتنامى وتتغير نوعياً، ولم تعد المعارضة تكتفي بالشروط التي كانت تقبل بها، بل كانت هذه الشروط تتصاعد في كل مرة وتزداد.

واليوم، وبعد كل هذا التطور والتعقيد، عاد النظام لقبول اقتراح موسكو عقد الحوار (بحذر شديد)، بدليل أن الاقتراح الروسي قال بحوار “غير رسمي”. ورغم ذلك مازالت السلطة السورية ترى أن يعقد الحوار حول إصلاحات صدرت بقوانين عن النظام رفضتها المعارضة، أي أن لا يتعرض الحوار الذي تريده السلطة لبنية النظام وأساليبه وممارساته، بل يعالج قضايا هي، في أحسن الأحوال، إجرائية وجزئية.

بينما لن تقبل المعارضة الآن، وبعد كل هذا التطور الذي حصل، بأي حوار بالشروط السابقة، وترى أنه ينبغي أن يدور حول طريقة تغيير النظام، وتنحي الرئيس، أي حول المرحلة الانتقالية، ومدتها، وشروطها، وحكومتها، وصلاحيات هذه الحكومة، وبالتالي الانطلاق من مبدأ قبول التغيير الكلي والتنحي الكلي، لا من إجراءات سطحية أو جزئية. وهذا ما ترفضه السلطة، لأنه يعني، بصريح العبارة، تغيير النظام جذرياً، بنية ووسائل وأهدافاً، وتغيير قادته ومسؤوليه.

وعلى ذلك فإن المحاولة الروسية هي في الواقع صرخة في واد، نظراً لاتساع الهوة بين الطرفين، فمن المتعذر أن يقبل النظام الانطلاق في حواره من قبول الرحيل، وبدء الاتفاق على ما بعده؛ أي على كيفية ضمان أمن أهل النظام، وانسحابهم سلمياً، وطرق تفادي أي عنف لاحق لتغيير النظام.

 

حسين العودات

 

التصنيفات : أخبار الوطن, المقالات, الأخبـــــار

الكاتب:syr2015

صوت المعارضة السورية الصادق

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

%d مدونون معجبون بهذه: