الغش الأكبر

جرت في الأسابيع المنصرمة عملية غش كبرى سعت من خلالها القوى المسوقة لها لربط الديمقراطية بنتائج صناديق الاقتراع فقط ولتجاهل الوجه المدني للديمقراطية التي من دونه لا يوجد أي ديمقراطية مهما كانت العملية الانتخابية شفافة ونزيهة. إذ أن صناديق الاقتراع في النظم الديمقراطية هي وسيلة لبناء المؤسسات الدستورية السلطات التنفيذية والتشريعية، وأحياناً القضائية، وذلك ضمن قانون أعلى، يسمى الدستور، يضمن الحياة المدنية للمجتمع بغض النظر عن الأغلبية والأقلية التي نتجت عن العملية الانتخابية.

هذه الوجه المدني من الديمقراطية، يأخذ شكل وثائق تسميها بعض الأمم وثائق فوق دستورية، والبعض الآخر تسميه وثائق الوفاق الوطني أو مبادئ العهد المدني أو مقدمات الدستور أو وثيقة المبادئ الأساسية… إلخ إلخ.. وهي مجموعة مبادئ، تأتي غالباً بالتوافق بين النخب الفكرية، تؤكد على حقوق المواطنين المتساوية بغض النظر عن الدين أو الجنس أو اللون، حرية العبادة والعمل السياسي، وحقوق الأقليات، وكلها تدور حول فكرة أن القيمة العليا للمجتمع الديمقراطي هو الإنسان الفرد وليس أي تكتل بشري سواء كان قائماً على الإيديولوجيا أو الدين أو القومية أو الطائفة.

ولأن الأغلبيات هي شيء غير ثابت في المجتمعات الديمقراطية، تقوم الأمم الديمقراطية العريقة بحماية هذه المبادئ من عملية التصويت، فبعض الأمم، كألمانيا على ما أعلم حيث تسمى هذه المبادئ بالمبادئ ذات الطبيعة الأزلية، تمنع إخضاع المواد الدستورية الخاصة بمدنية الدولة إلى عملية التصويت، وبعضها الآخر لا يمنع ولكن يشترط لتعديلها الحصول على أغلبية الثلثين من الناخبين.

إذ من المعروف أن الأغلبيات يمكن أن تتشكل ليس فقط نتيجة اقتناع الناخب بالفكر المطروح إنما أيضاً كردات فعل على أحداث تاريخية أو ردات فعل، سلباً أو إيجاباً، ليس على الأفكار إنما على الأشخاص الحاملين لهذه الأفكار أو لغير ذلك من الأسباب، وإن كان هذ مقبولاً في الحياة السياسية اليومية ومقبولاً حتى كأدوات تنافس سياسي ولكنه يجب ألا يؤثر على مدنية الدولة. بمعنى أن من يحظى بأغلبية ما في أي عملية تصويت، يجب عليه، إن كان ديمقراطياً ومدنياً، ألا يغير بهذه المبادئ لكي يضمن أن أي انتخابات أخرى ستأتي به مرة أخرى كأغلبية.

هذا تحديداً ما حصل في ألمانيا النازية، حيث فاز هتلر بعملية انتخابية وقام بعدها بتعديل الدستور بطريقة تجعل منه ومن حزبه وفكره الفائزين في اي انتخابات قادمة ودون الحاجة إلى التزوير.

ومن المفيد التذكير أيضاً أن أنظمة ال99% العربية، لم تحتج للقيام بتزوير للعملية الانتخابية بشكل واسع لأن نتائج العملية أصلاً مضمونة بدستور غير مدني.

وعملية الغش الكبرى التي تجري هذه الأيام في حالتنا السورية هو تحديداً في التعامي على هذه المبادئ الأزلية للدولة المدنية والاكتفاء بعبارات مطاطة عن مدنية الدولة وجاذبية صناديق الاقتراع.

وقد تداول المروجين لهذا الغش، بعضهم ببراءة وبعضهم بدونها، بفرح منذ أيام مقال للمخرج السوري المعروف هيثم حقي في جريدة الحياة يقول فيها: “أما بالنسبة الى احتمال فوز الإسلاميين في الانتخابات، فأنا ديموقراطي اجتماعي علماني أؤمن بالديموقراطية وأتقبل نتائجها. فإذا فاز الإسلاميون في انتخابات تعددية حرة نزيهة، وهو أمر أستبعده لكن أتقبله إن حصل، فسأكون أول المهنئين… وسأستمر في نضالي من أجل فصل الدين عن الدولة، وحرية المعتقد، والمواطنة المتساوية أمام قانون يعدل ليصبح عادلاً… ولن أستسلم إلى وهم: !«الذي تعرفه خير من الذي تتعرف عليه»”

وهو كلام حق أراد المروجون للغش به باطلاً. إذ من نافل القول أن القبول بنتائج الانتخابات من قبل الخاسرين هو من أسس الحياة الديمقراطية التي من دونها لا ديمقراطية ولا يحزنون. ففي دولة مدنية ديمقراطية لا مشكلة في فوز إسلاميين أو تروتسكيين بالانتخابات للمؤسسات الدستورية، طالما لا يقوم هؤلاء بتغيير الأسس المدنية للدولة المذكورة أعلاه.

فالدستور السوري الحالي غير ديمقراطي وغير مدني أساساً بسبب المادة الثامنة فيه التي تعطي حزب البعث صفة القيادة للمجتمع وتجعل من مبادئه القيم العليا في الدولة وليس الإنسان الفرد. وأي دستور سيأتي بعد هذه الأزمة لن يكون ديمقراطياً ولا مدنياً ما لم يلحظ هذه المبادئ الأزلية للدولة المدنية والتي يجب ألا تخضغ لمعادلات الأغلبية والأقلية. وتحديداً يجب أن لا يضم الدستور الجديد أي مادة تجعل مصدر التشريع إيديولجيةً ما أو ديناً ما أو حزباً ما. وإلا لا نكون قد فعلنا إلا تغيير شخوص الاستبداد وايديولجيته دون اسقاط الاستبداد بكينونته وعقليته.

ومن هنا نفهم عملية الاغتيال المعنوي التي تعرض لها رجالات هيئة التنسيق الوطنية من رجالات الغش أعلاه عندما نادو بسقوط نظام الاستبداد. إذا أن رجالات الغش (أغلب رجالات المجلس الوطني ومن يدور حوله)، عملياً لا يريدون إسقاط نظام الاستبداد إنما يريدون تغيير شخوصه وإيديولجيته فقط. وهم يستغلون دماء الشعب السوري الزكية لتمرير أكبر قدر ممكن من هذا الغش الموصوف.

هؤلاء هم أنفسهم الذين يستسهلون الإجابة عن السؤال لعدم خروج دمشق وحلب وانضمامهما إلى الانتفاضة بالقمع والقمع وحده، وللطرافة يقولون ذلك بعد أن يعلنوا بثقة أن حاجز الخوف قد سقط.

هؤلاء هم أنفسهم الذين يستعجلون التدخل العسكري في سورية لأنه الوحيد الذي سيمكنهم من فرض هذا الغش واقعاً كما حصل في ليبيا التي لم يتأخر الغشاشين أنفسهم في التكشير عن أنيابهم الغير المدنية والغير ديمقراطية من أول يوم بعد سقوط نظام العقيد الاستبدادي على واقع تدمير ليبيا من قبل الناتو.

هؤلاء هم أنفسهم الذين يرفضون التوصل مع هيئة التنسيق الوطنية لوثيقة مبادئ تنظم تحديداً ولا شي آخر الأسس الأزلية للدولة

المدنية ويقولون إن صناديق الانتخابات هي من ستحدد شكل الدولة.

هؤلاء هم أنفسهم المتعامون عن عسكرة الحراك والداعمون ضمناً لها. وهم أنفسهم المتعامون عن تطييف الحراك.

هؤلاء هم أنفسهم أصحاب نظرية: “لا تتوقع أنو كل شي يكون مثالي” بالثورة، طبعاً بعد الصمت والتبرير وأحياناً التبني لكل ما هو ليس من الثورة بشيء.

إن مكافحة الغش الذي يقوم به رجالات المجلس الوطني ومن حوله، لهو بنفس أهمية النضال ضد النظام الاستبدادي. إذ أنه بغير ذلك نكون نؤسس لاستبداد جديد بشخوص جديدة وإيديولجيات جديدة.

أ. أسامة الرفاعي 

التصنيفات : المقالات, الأخبـــــار

الكاتب:syr2015

صوت المعارضة السورية الصادق

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

%d مدونون معجبون بهذه: