عــن «بيضــة القبّــان» الروســية … وســوريا

لم يشتتّ وصول وفد المراقبين العرب إلى سوريا، الاهتمام الغربي المركّز على دور روسيا «السيئ» في الأزمة السورية، خصوصاً أن بعض الأقلام الغربية وضعت موافقة دمشق على خطة الجامعة العربية إرسال مراقبين للتأكد من «وفائها بالتزاماتها» الأمنية، في سياق الخطوة الروسية الدبلوماسية التي تقدمت موسكو بموجبها الأسبوع الماضي الى مجلس الأمن بمشروع قرار يدين العنف في سوريا من كل الاطراف. لماذا تصبّ الخطوتان في الخانة ذاتها؟ ما هي منطلقات الأداء الروسي؟ وما هي حسابات موسكو الإقليمية؟
تظهر الدعوات الغربية الحثيثة لإنجاح مهمة المراقبين بأي ثمن، الشكوك الضمنية لدى كل من أميركا وتركيا والمعارضة السورية حيال تمكّن الوفد من الوصول إلى كل «مناطق النزاع» من دون مضايقات. هذا ما حملته من أجواء افتتاحية صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية أمس تحت عنوان «كونوا أكثر قسوة مع الأسد»، معتبرة أنه «لضمان نتائج ذات مصداقية لمهمة الوفد، على الأخير الوصول إلى كل مناطق النزاع في سوريا وأن يعلن عن كل ما يكشفه أمام الجميع». من غير المتوقع بالنسبة للصحيفة ان يقوم الأسد بالكثير في هذا الصدد، في وقت «تواصل روسيا منع الأمم المتحدة من القيام بما كان عليها القيام به قبل أشهر: إدانة حكم الأسد الدموي، وفرض عقوبات اقتصادية وتجارية شديدة عليه وعلى المقربين منه في قطاعي الأمن والأعمال.. تقدّم روسيا بقرار إدانة العنف في سوريا دون الإشارة إلى العقوبات، تبقى محاولة روسية واضحة لحماية حليفتها من عقوبات أعنف».
يؤكد المسؤولون الأميركيون الذين وصفوا الخطوة الروسية بـ«الايجابية» ان الأمم المتحدة تعمل على مسارين متوازيين: مواصلة العمل على المسودة الروسية في نيويورك، واختبار جدية السوريين في تنفيذ التزاماتهم تجاه الجامعة العربية. لكن الباحث ديفيد بولوك في «معهد واشنطن» لا يشاطر الأميركيين وصفهم، «اذ ليس لما يفعله الروس أية إيجابية».
الدعم الروسي الدبلوماسي والعسكري
ينطلق بولوك من تصريحات لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف حول الوضع في سوريا ليؤكد أن «الخطوة الدبلوماسية الروسية أخطر من الفيتو الروسي في مجلس الأمن»… قال لافروف في 13 من الشهر الحالي «مسودة قرارنا على الطاولة. ومن يرفض الضغط على المسلحين المتطرفين في المعارضة السورية، يتخذ موقفاً غير أخلاقي». وبعد 7 أيام على ذلك، أعاد لافروف، إثر اتصال هاتفي مع وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، التشديد على أهمية «التأثير على المعارضة السورية لا على نظام الأسد». كذلك، ذهب الروس أبعد من الكلام في دعمهم الرئيس السوري، مرسلين سفنهم الحربية إلى مرفأ طرطوس قبل أن يعلن السوريون عن مناورات خاصة مستعرضين فيها السلاح الروسي المرسل لهم… ملاحظات يستند اليها بولوك ليقول إن «الاقتراح الدبلوماسي الروسي والمدعوم من الصين وايران، أسوأ من اي فيتو قد تتخذه موسكو في مجلس الأمن لمصلحة سوريا، لأن من شأن ذلك أن يمنح نظام الاسد مزيداً من الوقت».
فهم الموقف الروسي
لماذا تدعم موسكو الأسد؟ سؤال بديهي يطرحه الغرب اليوم بعد مرور حوالى العام على الأزمة في دمشق، الا ان الاجابة الرباعية تخلط ما بين مواقف الروس «المبدئية» و«الاستراتيجية»: اولا، رغبة روسيا في معارضة وتحجيم النفوذ الأميركي والأوروبي دائمة. فموقف موسكو «مبدئي» مما يتعلق بطموح الغرب التدخل في بلدان أخرى، فضلاً عن نفور روسيا الكبير من التحركات الشعبية الديموقراطية. ثانياً، يعمل الروس على منع تكرار التجربة الليبية في سوريا، حتى أنهم نجحوا في «شرذمة» الموقف العربي بين مؤيد ومعارض، ما جعل مثل هذه الخطوة الغربية مستبعدة. ثالثاً، يشير وصف الرئيس الروسي ديميتري ميدفيديف لسوريا بـ«الصديق القديم» إلى ان موسكو ليست في صدد التخلي عن هذا الحليف «التاريخي» والاستراتيجي. رابعاً، تخشى روسيا خسارة مرفأ طرطوس (المحطة الاستراتيجية الوحيدة لها عند البحر الابيض المتوسط)، فضلاً عن تخوّفها من التفريط بربح مقداره ما بين 2 إلى 3 مليار دولار كمردود لصفقات الأسلحة الروسية إلى سوريا.
العوامل الإقليمية المؤثرة بالموقف الروسي
اذاً، لا يتعلق موقف روسيا مما يجري في دمشق بحسابات تكتيكية موقتة قد تتغير مع تصعيد المواقف الغربية ضد سوريا، بل تنطلق من قراءة إستراتيجية للأزمة لا تستبعد ايضاً الحسابات الإقليمية الخاصة بروسيا: اولاً، تقصد روسيا التنسيق مع ايران وحزب الله لصياغة سياستها تجاه دمشق، ويصب استقبالها وفداً برلمانياً في حزب الله نهاية الصيف الماضي، في هذه الخانة. كما ان التنسيق يشمل وصول الاسلحة الروسية المرسلة أصلاً لطهران، إلى كل من سوريا والحزب، وذلك بعلمٍ من موسكو. ثانياً، ان دعم روسيا للأسد ينطلق ايضاً من شكوكها بدور تركيا، التي وافقت قبل 3 اشهر على نشر رادار الدرع الصاروخي التابع لحلف شمال الأطلــسي في منطقة ملاطية في وسط تركيا، وذلك بالتزامن مع دعوة انقرة للاسد بالتنحي «فوراً».
كما ذهبت إحدى الصحف الروسية حينها الى انتقاد الدور التركي في سوريا، حيث عنونت «تورط تركيا المباشر في العمليات الارهابية ضد سوريا». ثالثاً، ان اشمئزاز روسيا المتجذر من الشخصية الاسلامية لبعض المنشقين السوريين، يزيدها عزماً في الدفاع عن الاسد في وقت يعود نشاط «الاخوان المسلمين» المتطرف ضد الروس الى السبعينيات. وتنظر موسكو بدقة الى الصعود الاسلامي في تونس ومصر وليبيا وحتى اليمن، لذا تتخوّف من أن تخيّم النتيجة ذاتها على مستقبل الاحداث في سوريا.
(«السفير»)

التصنيفات : الأخبـــــار

الكاتب:syr2015

صوت المعارضة السورية الصادق

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d مدونون معجبون بهذه: